رسالة فانس إلى مسيحيي لبنان: تعديل الطائف ليس ثمنًا لسلاح "حزب الله"

كتب نخلة عضيمي في صحيفة نداء الوطن:
لم يكن كلام نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، الموجّه إلى مسيحيي لبنان، مجرد رسالة تضامن مع طائفة في شرق أوسط مضطرب، بل بدا أقرب إلى إعلان سياسي بالغ الأهمية في التوقيت والمضمون، يحمل دلالات تتجاوز الشأن اللبناني الداخلي، ويعكس جانبًا من الرؤية الأميركية للمرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة.
دي فانس، وفي مقابلة معه في 20 حزيران تناول خلالها الوضع في لبنان، دعا مسيحيي لبنان صراحة إلى التمسك بإيمانهم بيسوع المسيح، قائلا: "اعلموا أن لديكم الكثير من الأصدقاء في الحكومة الأميركية".
لم يكتفِ دي فانس بذلك، بل انتقل مباشرة إلى تحديد مصدر الخطر الذي يواجههم، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في وجود "حزب الله" وسلاحه وما ينتجه من حالة صراع مستمرة مع إسرائيل. بهذا المعنى، تعمّد المسؤول الأميركي نقل النقاش من إطاره العسكري أو الأمني إلى إطار سياسي أوسع، يقوم على ربط استقرار لبنان ومستقبل مكوناته المختلفة بإنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
وتعتبر أوساط مطلعة على أجواء الإدارة الأميركية أن هذه الرسالة تكتسب أهمية إضافية في ضوء ما يتردد عن وجود نقاشات إقليمية ودولية تتناول مستقبل دور "حزب الله" في لبنان، بالتوازي مع مساعٍ لإيجاد تسوية شاملة للملفات العالقة في المنطقة. وفي هذا السياق، برزت خلال الأشهر الماضية معلومات خاصة بـ "نداء الوطن" عن مطالب إيرانية تتعلق بالحصول على ضمانات سياسية أوسع للطائفة الشيعية في لبنان، سواء عبر تكريس أعراف جديدة في الحكم، أو من خلال تعديلات دستورية وإدارية تمنحها دورًا أكبر في إدارة الدولة، وذلك في إطار أي تسوية محتملة لملف سلاح "حزب الله".
من هنا، يمكن قراءة كلام فانس بوصفه رسالة غير مباشرة إلى طهران وحلفائها، مفادها أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة للبحث في ترتيبات أمنية وسياسية تعالج أزمة السلاح، لكنها ليست في وارد إعادة صياغة النظام اللبناني أو تعديل التوازنات التي أرساها "اتفاق الطائف" كجزء من ثمن هذه التسوية. فالتركيز على المسيحيين تحديدًا، وعلى ضرورة الحفاظ على الاستقرار وحماية التنوع اللبناني، يحمل في طياته رفضًا لأي مقاربة تؤدي إلى اختلال التوازنات الداخلية أو إلى تكريس وقائع دستورية جديدة تفرضها موازين القوى العسكرية.
وتزداد هذه القراءة ترجيحًا إذا ما وُضعت في سياق المواقف الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما حديثه عن أدوار إقليمية جديدة قد تشارك في معالجة ملفات المنطقة، بما فيها الملف اللبناني. فالإدارة الأميركية تبدو وكأنها تسعى إلى رسم معادلة مختلفة تقوم على تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، والحد من النفوذ الإيراني المباشر، وإيجاد ترتيبات أمنية جديدة تساهم في تثبيت الاستقرار على المدى الطويل.
وعليه، فإن رسالة فانس لا تبدو مجرد تطمين للمسيحيين اللبنانيين، بقدر ما تشكل مؤشرًا إلى طبيعة التسوية التي تتصورها واشنطن للبنان. فالمطلوب أميركيًا، وفق ما يوحي الخطاب، هو معالجة أزمة السلاح ضمن إطار الدولة اللبنانية القائمة، لا عبر تعديل قواعد النظام السياسي أو منح أي طرف مكاسب دستورية إضافية مقابل تنازلات أمنية. إنها رسالة ترسم، بصورة غير مباشرة، حدود التفاوض الممكن وحدود التغيير المرفوض في لبنان ما بعد الحرب. ويبدو أن هذا التوجه الأميركي غير بعيد عن التوجه الفاتيكاني الذي يضع خطوطًا حمراء حول التنوع الموجود في لبنان، ودور المسيحيين فيه، والتوازنات القائمة، وهذا ما برز من خلال زيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر، والتحرك المكوكي الذي يقوم به السفير البابوي.
فهل السم الذي تحاول بعض الأطراف دسّه في التركيبة اللبنانية سينجح؟ وماذا سيكون عليه ثمن السلاح في المرحلة المقبلة؟فلننتظر ونرَ.
