"الأرض مقابل السلاح" تمهيدًا للسلام

كتب شارل جبور في صحيفة نداء الوطن:

طُرح شعار "الأرض مقابل السلام" طويلًا في سياق الصراع العربي - الإسرائيلي، باعتباره معادلة تقوم على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلّتها مقابل إبرام سلام عادل وشامل، يبدأ بقيام دولة فلسطينية ويمتدّ إلى علاقات طبيعية مع دول الجوار. في جوهر هذا الطرح، كانت إسرائيل تسعى إلى إنهاء حالة الحرب الدائمة معها، وإزالة التهديدات الأمنية التي تنطلق من الدول المحيطة بها، فيما كانت الدول العربية ترى في الانسحاب مدخلًا لاستعادة حقوقها وأراضيها.

إن طرح شعار أو عنوان "الأرض مقابل السلاح" اليوم بدلًا من السلام يشكّل مصلحة لبنانية وإسرائيلية في آنٍ معًا، لأنه يستحيل الوصول إلى السلام أساسًا قبل نزع السلاح، ولا يفيد السلام بشيء إذا بقي السلاح منطلقًا لاستهداف إسرائيل وأمنها. وبالتالي، فإن المدخل إلى السلام يكمن في نزع سلاح "حزب الله"، لأن نزع هذا السلاح يعيد للدولة اللبنانية دورها الفعلي، فيما لا يزال دورها اليوم  شكليًا وصوريًا بسبب أن "الحزب" ما زال يقرّر الحرب. فضلًا عن أنه لا يمكن لأي دولة أن تقرّر السلام طالما أنها عاجزة عن حماية هذا السلام والالتزام ببنوده.

تكمن المشكلة بين لبنان وإسرائيل في أن الفريق نفسه الذي يعتدي على تل أبيب يعتدي على بيروت بمنعها من أن تكون عاصمة القرار اللبناني. بل إن المتضرّر الأكبر من "حزب الله" هو لبنان، وليس إسرائيل، لأنه يتذرّع بالمواجهة مع الأخيرة من أجل وضع اليد على لبنان وإبقائه ساحة للمشروع الإيراني. ومن الطبيعي أن تكون الأولوية الإسرائيلية أمنية بالدرجة الأولى، قبل أن تكون سياسية أو مرتبطة بمسار سلام شامل، ومن الطبيعي أيضًا أن تكون الأولوية اللبنانية سيادية، عبر احتكار الدولة وحدها السلاح، من أجل أن تتمكّن من قيادة البلد وفقًا لدستوره ومصلحة لبنان العليا.

ولا حاجة للتذكير بأن معضلة لبنان الأساسية في العقدين الأخيرين تكمن في "حزب الله" وسلاحه، إذ إن وجود سلاح خارج إطار الدولة لا يهدّد فقط علاقته بإسرائيل، بل إن الأخطر أنه يصادر قراره السيادي ويضعه في موقع الدولة العاجزة عن التحكّم بأراضيها وحدودها. وبالتالي، فإن نقطة الالتقاء بين المصلحتين اللبنانية والإسرائيلية تكمن في إنهاء هذه الحالة الشاذة: إسرائيل تريد إنهاء التهديد الأمني لشعبها، ولبنان يحتاج إلى استعادة قراره وسيادته كأي دولة طبيعية في العالم.

ومن هذا المنطلق، يشكّل طرح "الأرض مقابل السلاح" مدخلًا واقعيًا لأي تفاوض محتمل. أي أن تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية مقابل نزع سلاح "حزب الله"، بحيث تتحقق معادلة مزدوجة: تستعيد الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على أراضيها، وتضمن إسرائيل أمنها من الجبهة الشمالية. عندها، يكون الطرفان قد بلغا هدفهما الأساسي: إسرائيل حققت أمنها، ولبنان استعاد قراره وسيادته، ويصبح عند ذاك الكلام عن السلام واقعيًا، لأن الدولة التي يجب أن توقع السلام يجب أن تكون دولة فعلية.

غير أن هذه المعادلة ما زالت تصطدم بالإشكالية نفسها: من ينزع سلاح "حزب الله"؟ فالتجارب السابقة، ولا سيما بعد حرب تموز 2006، أظهرت أن وقف العمليات العسكرية من دون معالجة مسألة السلاح يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها. يومها صدر القرار 1701، وكان يفترض أن يشكّل إطارًا ومدخلًا لنزع السلاح وبسط سلطة الدولة، لكن ذلك لم يتحقق، ما أبقى أسباب التوتر والحرب قائمة، وأبقى لبنان من دون دولة فعلية وساحة فوضى.

الخطأ الأساسي في آب 2006 أنه تم إنهاء الحرب من دون ضمان نزع سلاح "حزب الله" الذي تسبّب بالحرب، وهذا الخطأ الوطني الفادح لا يجب أن يتكرّر هذه المرة، بل يجب التشديد على أن وقف الحرب، ومن ثم الانسحاب الإسرائيلي، مشروطان بضمان نزع السلاح فعليًا. فيجب الاستفادة من الحرب التي تسبّب بها "الحزب" لإنهاء سلاحه نهائيًا. وأبرز ما يجب تفاديه هذه المرة هو الاكتفاء بتعهّدات أو ترتيبات مرحلية، لأنه سيؤدي إلى النتيجة نفسها التي شهدها لبنان في السابق، أي تثبيت واقع السلاح واستمرار الحرب. وبالعودة إلى السؤال الأساسي: من سينفذ شعار "الأرض مقابل السلاح"؟ هل الدولة اللبنانية ستنزع هذا السلاح أم ستتركه على عاتق إسرائيل؟ وهل الدولة قادرة على ضمان هذه المعادلة؟ وإذا تُرك التنفيذ للجيش الإسرائيلي، فلماذا تكتفي تل أبيب بهذه المعادلة من دون تطويرها إلى "الأرض مقابل السلام"؟ فلولا إسرائيل أساسًا لما تمكّن لبنان من تحرير جزء من قراره من إيران.

وعلى الرغم من أن إسرائيل تريد الانتهاء من "حزب الله" تحقيقًا لأمنها، وأن حربها جاءت ردًا على "الحزب" الذي بادر بالاعتداء عليها، إلا أنها في نهاية المطاف أنقذت لبنان من سلاح يُبقيه ساحة ويمنع قيام دولة طبيعية. ومعلوم أن "الحزب" سعى في كل جولات الصراع السابقة إلى تكريس المعادلة التالية: وقف العمليات العسكرية مقابل الإبقاء على سلاحه، من أجل استمرار نفوذه وسيطرته على القرار اللبناني. وبالتالي، فإن أي تسوية لا تعالج هذه النقطة تعني التهيئة لحرب جديدة، وتعني إبقاء سيطرة إيران على لبنان.

إن اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من تعقيدات وصعوبات، تشكّل فرصة لعبور لبنان من الساحة إلى الدولة. فالحروب، على قسوتها، تفتح أحيانًا نوافذ للحلول التي كانت مستحيلة في أوقات الهدنة. وإذا أحسن لبنان استثمار هذه اللحظة، مدعومًا بعلاقات دولية فاعلة، ولا سيما مع الولايات المتحدة، يمكنه أن يدفع باتجاه تسوية تضمن انسحاب إسرائيل مقابل إنهاء حالة السلاح خارج الدولة.

في المحصلة، يقف لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في واقع شبيه بنموذج الانهيار الدائم، حيث لا حرب تُحسم ولا سلم يُبنى، مع ما يعنيه ذلك من عزلة وتدهور وانهيار، وإما الانتقال إلى مسار مختلف يبدأ بمعالجة أصل المشكلة، أي السلاح غير الشرعي، ويفتح الباب أمام استعادة الدولة دورها الكامل.

وعليه، فإن "الأرض مقابل السلاح" يشكّل مقدمة ضرورية لـ"الأرض مقابل السلام"، حيث بانتهاء سلاح "حزب الله" تُزال الأسباب التي أدخلها إلى لبنان أساسًا. فلولا سلاح "الحزب" واعتداءاته على إسرائيل  لما دخلت إلى لبنان. وعندها فقط، يمكن الحديث عن استقرار حقيقي يقوم على سيادة الدولة وأمنها، لا على توازنات هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، ويفتح الباب عندها أمام السلام الحقيقي بين لبنان الدولة والشعب وإسرائيل الدولة والشعب.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى