جمهورية الخبراء

كتب عماد موسى في صحيفة نداء الوطن:
"وبعدين"؟
واقفًا كنت أمام أيوب بانتظار أن يزن أكياس مشترياتي.
في العادة يتقصّد إمبراطور الفاكهة والخضراوات تأخيري علّه يجد لديّ ما يروي عطشه لمعرفة مستقبل لبنان والإقليم وقارة آسيا والعالم.
"وبعدين"؟
سأل والسيكارة عالقة في إحدى زوايا شفتيه. ربّي كم يشبه محمد الماغوط. قبل أن أجيب بجملة مأثورة، وحتى قبل أن أفكّر بأبعاد السؤال، أكّد لي بصورة قاطعة: "صاحبك دونالد ترامب بدّو ياكل خازوق بيسوى حياتو. وقول أيوب حكي. وحياة أختي بدّن يفركولو مناخيرو".
ثم عرّج سريعًا على انتخابات إسرائيل والوضع في مضيق هرمز ومتفجّرات ضهر البيدر، ثم أطلق سراحي. وضعت مشترياتي في السيارة مردّدًا بيت الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:
ستُبدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جاهلا
وَيأتيكَ بالأخبارِ من لم تُزوّدِ
اللبنانيون، مثل أيوب، خبراء في كل شأن.
بمجهود شخصي بدأته في الثامن من أيار 2023، أعددت لائحة مفتوحة بـ37 عميدًا خبيرًا وباحثًا استراتيجيًا، خسرنا منهم العميد المتقاعد أمين حطيط. كل عميد متقاعد هو حكمًا خبير ينتظر أن يُدعى إلى أي منصة وأي استوديو لملء وقتنا الضائع.
وأمس بالذات لاحظت وفرة خبراء الزيت والزيتون على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا يكتب عن المذاق ووقت القطاف، وآخر يكتب عن الفوارق بين زيت بزيزا وزيت ديرميماس.
وهو نفسه خبير الزيت، خبيرٌ في الانتخابات الأميركية وسياسة الليكود والطاقة البديلة وترسانة الصواريخ الباليستية وأسرار الكرملين وطريقة تحضير الكراميل وفق مدرسة أم وليد.
في فترة معيّنة من تاريخ لبنان الحديث، شهدنا طفرة خبيرات "نفايات" وصلت بعضهنّ إلى الندوة البرلمانية، ولا تزال النفايات عامرة. أما خبراء الطاقة فيفيضون عن حاجة لبنان بعشرين ألف مرة، من القيصر أبي خليل إلى آخر كهربجي في سير الضنية.
ولدينا بحمد الله خبراء تواصل اجتماعي وخبراء صحة جنسية وخبراء نفسيون وخبراء نفطيون وخبراء محاسبيون وخبراء دستوريون وخبراء في العلاقات الدولية، وخبراء متفجّرات ناهيك عن خبراء السير. قبل أيام اجتاحت جارتي إيزابيل بـ "جيبها" الفائق الضخامة 4 سيارات. في ثوانٍ حاصرها نحو مائتي خبير عاينوا الحادث وحدّدوا المسؤوليات وعرضوا خدماتهم على "إيزو" دون سائر المتضرّرين، وذلك قبل وصول درّاج من الوحدة السيّارة وخبير الشركة المعتمدة من قبل جارتي الهيفاء.
معلومة: يبلغ عدد سكان لبنان التقريبي خمسة ملايين وتسعمائة ألف خبير. وأمس الجمعة زاد العدد خبيرًا إذ رُزقت صغرى بنات أيوب بخبير "قدّ شرحة الخرما اسم الله"، كما أخبرني أيوب.
