ميقاتي وجبران... والحريري ثالثهما

كتب سامر زريق في صحيفة نداء الوطن:
في خطوة تبدو للوهلة الأولى من خارج سياق الأحداث، اجتمع الرئيس نجيب ميقاتي برئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، ومعهما ممثل الرئيس سعد الحريري ومستشاره حسين الوجه، إلى طاولة عشاء أقامها الخميس الماضي، وفي منزله، شخصية معروفة في عوالم الدراسات الإحصائية والحملات الانتخابية، وحضرها النائب السابق أحمد فتفت، وقلّة محدودة.
الاجتماع بقي بعيدًا عن الكاميرات والفضوليين و"الطنطنة" المعتادة، لكنه لم يسلم من سيف التسريبات، حيث كان ثمة حرص من الحاضرَيْن الرئيسيَّيْن على التخلّي عن الحراسات، في مشهدية غير مألوفة. ويُعزى الأمر لدى البعض إلى طلب ميقاتي التكتّم في ظل الاشتباك بين باسيل وكتلته مع الشارع السنّي على خلفية قانون العفو العام، فيما تضعه مصادر سياسية متابعة ضمن إطار عدم تحميل اللقاء أبعادًا لا يحتملها.
فالهدف من المائدة تقريب المسافات، ومدّ جسور التلاقي بين الأطراف السياسية المتنافسة. وهذا ما يتوخّاه عرّاب اللقاء ضمن نهج يتبعه منذ مدّة، وسبق أن أقام طاولة شبيهة الشهر الفائت، جمعت ممثلين عن "الوطني الحر" و"القوات" و"المستقبل" و"المردة" و"الثنائي الشيعي"، ويعكف على ترتيب طاولات لأهداف ذات طابع تنموي واقتصادي واجتماعي. وتبيّن المصادر أنّ اللقاء شهد عملية غسيل قلوب موسّعة، وتذكير كل طرف للآخر بمواقفه الإيجابية تجاهه ماضيًا.
ومع ذلك، ثمة ملاحظات على سفح الاجتماع لا يمكن التباسط حيالها أو تجاهلها. في طليعتها وجود قاسم سياسي مشترك، وهو دفع أثمان التحوّلات الجارية في المنطقة. فالحريري وباسيل من أكثر المتضرّرين من المتغيّرات التي صيّرتهما على هامش اللعبة السياسية بعدما كانا في مركزها. ومعهما أيضًا المعتنق لأيديولوجيا "الغائب"، والحاضر بظلّه الممدود "حزب الله".
وهذا ما يستدعي التقارب بينهم قبل أن يصبحوا خارج اللعبة، وهو حاصل بوضوح جليّ يُعبَّر عنه جماهيريًا وإعلاميًا بين تيار "آل الحريري" و"حزب الله"، لكن الأوائل لا يملكون جرأة تظهيره، فيما هو يبدو بخجل بينهم و"الباسيليين"، حيث يُحكى عن دعم لمرشّح الأخير في انتخابات نقابة المحامين في الشمال، وإن كان ذلك لا يُعدّ مؤشرًا حاسمًا في ظل طبيعة التنافس النقابي وما تفرضه من ائتلاف الأضداد.
المضمر غير المُصرَّح عنه ليس التقارب الانتخابي، لأن الاستحقاق غائم، إنما السياسي، من خلال التمهيد لإيجاد قنوات خلفية لتنسيق المواقف في المرحلة المقبلين عليها، يمكن مراكمتها لتكوين تحالف الضرورة. فباسيل لم يعد يستسيغ "الإجازة السياسية" والترقّب. وقبل العفو العام و"الحملة الكهربائية" أطلق مبادرة غير ذات وزن، ومواقف هنا وهناك، للقول إنّه لا يزال في "الحلبة". فيما يبقى ميقاتي المرشّح الأول لرئاسة الحكومة، بنهجه المتّسم بـ "الرمادية" وعدم معاداة أي طرف داخلا وخارجًا، ليشكّل الحل المناسب للجميع لحظة تأرجح التوازنات. ونشاطه مذ أُخرج من السراي يُظهر حيوية سياسية لافتة، خصوصًا مع الرئاستين الأولى والثانية.
مقابل تحضير تيار "آل الحريري" الأرضية لعمل سياسي ما عبر ملء الفضاء الإعلامي بالضجيج، والشائعات المظلّلة بالعودة المظفّرة للغائب، المُؤيَّد من هذه القوة الإقليمية وتلك، بموازاة الاستفزاز المبطّن للسعودية، في مسعى يقرأ صفحة "تسونامي" ميشال عون 2005، افتُتح بـ"لقاء رفيق" لشحن العواطف، السلاح الوحيد المؤثّر الذي يحوزه.
زِدْ عليها مواظبة الحريري منذ سنوات على "شيطنة" القوات، واستخدامه العناصر التي تشوّه صورتها في المخيال السنّي، ولا سيما الاستحضار المبتسر لذكريات منتقاة من الحرب الأهلية، فضلا عن الإيغال في التمذهب. وأي عودة مفترضة تستلزم حليفًا مسيحيًا، ولو مضمرًا، ليس لإثبات الجدية فحسب، إنّما لرفع مستوى الفعالية في بلد التوازنات الهشّة.
في الصورة العامة، ليس تفصيلا اجتماع قطبَيْن سنّيَّيْن مع قطب مسيحي ماروني، في ظل ندرة الأقطاب السنّة، وفي لحظة تبدو فيها حكومة نواف سلام مأزومة ومرتبكة. الأهم أنّ ثمة دعاية سياسية تروّج لإعادة تموضع سعودي، لأنّ لبنان سيغدو النفوذ فيه من حصّة قوة أخرى، وهي دعاية تتجاوز "الحزب" وأطراف الطاولة لتتصل بجهات سياسية وازنة.
