جنبلاط لعون: أنا مُستعدّ...

استند تفضيل الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط لمسار إسلام آباد، في ربيع 2026، على مسار ماركو روبيو، إلى تقديره أن مركز القرار الفعلي لحزب الله ليس في بيروت بل في طهران، وأن أي تفاوض يهدف إلى الحد من مغامرات حزب الله في لبنان وحصر السلاح في يد الدولة، يحتاج إلى إشراك إيران، بالتوازي مع التعامل مع إسرائيل. وقد أوضح جنبلاط في مقابلته مع الصحافية الأميركية هادلي غامبل أن السياسة الفعلية لحزب الله تُقرَّر في طهران، لا في لبنان، وأن حسن نصرالله كان يملك نفوذاً داخل دائرة صنع القرار الإيرانية، فيما بات القرار اليوم في يد إيران.
وفي تفسير هذا الموقف، قال عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب وائل أبو فاعور إن جنبلاط كان من أوائل الداعمين للتفاوض، لأن البديل لم يكن متاحاً. وأوضح أن حديث جنبلاط عن مسار إسلام آباد جاء في إطار تقديره للمخاطر في تلك المرحلة، إذ اعتقد أن تفاهمًا مع إيران ربما كان يمكن أن يوقف مغامرات حزب الله في لبنان.
وشدد أبو فاعور، في حديث إلى "الأنباء" الإلكترونية، على أن دعم التفاوض مستمر، مع الدعوة إلى مقاربة مختلفة عن تلك المعتمدة حتى الآن. وأكد أن الدولة اللبنانية وحدها تفاوض باسم لبنان، رافضاً كلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عن أن الحزب لا يعنيه سوى التفاوض الإيراني الأميركي. واعتبر أن هذا الطرح يتجاوز الدولة اللبنانية وحقها السيادي في التفاوض عن اللبنانيين والدفاع عن مصالحهم.
وفي قراءة "التقدمي"، لم يفضِ المسار التفاوضي حتى الآن إلى نتائج ملموسة، فيما تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية وازداد التخريب والتدمير في الجنوب. لكن هذا التعثر لا يبرر إسناد التفاوض عن لبنان إلى إيران أو إلى أي طرف آخر. والمطلوب، تحسين شروط التفاوض وإيجاد مقاربة تحفظ الحقوق اللبنانية، مع رفض استخدام لبنان ساحة للصراعات أو ورقة في أي تسوية إقليمية. فمن غير المقبول، كما قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط في لقاء مع شبيبة من "الاشتراكية الدولية"، أن تجرّ إيران أو غيرها من الدول، لبنان إلى حرب جديدة.
وفي هذا الإطار، كشف أبو فاعور أنّ وليد جنبلاط وفي آخر اجتماع مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قال له: "أنا مستعد للمساعدة في إيجاد مقاربة تفاوضية مختلفة تساعد على تحصيل حقوق لبنان".
وتفتح هذه الدعوة الباب أمام نقاش وطني مسؤول حول أهداف التفاوض وآلياته، والضمانات اللازمة لوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وحماية السكان وإعادة إعمار القرى.
وباسم "التقدمي"، دعا أبو فاعور إلى حوار يتيح تحصين البلاد في مرحلة وصفها بأنها مرشحة لفراغ إقليمي ودولي واضطرابات جديدة. ورأى أن على اللبنانيين الاستفادة من صداقات لبنان الخارجية ومن الجهود العربية، ولا سيما المساعي السعودية لتشكيل شبكة أمان للبنان والضغط على إسرائيل لتطبيق بنود من الاتفاق، إلى جانب الدور القطري. والغاية، كما قال، هي تحصيل قدر من التوازن وحماية لبنان من الصدمات والانقسامات.
على خط آخر، وفي اجتماع الرئيس عون مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، عُرضت نتائج الاجتماعات التي عُقدت في تامبا يومي 20 و21 تشرين الأول الجاري مع الوفدين الأميركي والإسرائيلي. وتبقى الحاجة قائمة إلى توضيح ما تحقق، وما لا يزال عالقاً، وما يمكن انتزاعه من ضمانات تغيّر الواقع الميداني.
كذلك حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري، خلال استقباله وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان، من خطورة إنهاء مهمة قوات "اليونيفيل" قبل التطبيق الكامل للقرار 1701 وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. ومع اقتراب موعد انتهاء المهمة، يبرز خطر حدوث فراغ أمني في الجنوب قبل استكمال ترتيبات قادرة على تثبيت الاستقرار. ويجعل ذلك دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بالتعاون مع ألمانيا والاتحاد الأوروبي والشركاء الدوليين، جزءاً أساسياً من حماية الجنوب ومنع مرحلة جديدة من التوتر.
وتضيف نتائج الانتخابات الإسرائيلية مزيداً من الغموض إلى المرحلة المقبلة. فبحسب الأرقام المعلنة بعد اكتمال فرز الأصوات، حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 لقوى المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما نالت الأحزاب العربية 19 مقعداً من أصل 120. ولم يتمكن أي من المعسكرين من بلوغ عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة.
وتمنح هذه النتيجة الأحزاب العربية وزناً سياسياً مهماً، لكنها تضعها أيضاً أمام حملة تحريض قادها نتنياهو وحلفاؤه، شملت التشكيك في نزاهة تصويتها من دون ثبوت الادعاءات المطروحة. ويبقى تأثير المقاعد العربية مرتبطاً بقدرة المعارضة على تجاوز تحفظاتها بشأن التعاون معها. أما لبنان، فلا يستطيع اعتبار أي تغيير حكومي إسرائيلي ضمانة لخفض التصعيد؛ فالعبرة بالسياسات والوقائع.
وعلى خط المواجهة الأميركية الإيرانية، تتأرجح المنطقة بين احتمال التصعيد وفرصة استئناف التفاوض. فقد تحدثت تقارير أميركية عن رسالة بعث بها نائب الرئيس جي دي فانس إلى المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي بهدف إحياء المحادثات، فيما قال الرئيس دونالد ترامب إن التواصل يتعلق بمساعدة إيران في الحصول على إمدادات طبية، نافياً توجيه مبادرة لاستئناف مفاوضات وقف الحرب. وأفادت طهران بتلقي الرسالة من دون إعلان رد عليها، في وقت لم تحظَ المسودة التي نقلها الوسطاء القطريون بقبول إيراني.
وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني احتراق ثلاث ناقلات بعد اصطدامها بألغام في مسار وصفه بأنه غير مصرح به في مضيق هرمز، ما يسلط الضوء على المخاطر التي تهدد الملاحة وأسواق الطاقة. ولا تكفي الاتصالات القائمة للاستنتاج بأن تسوية باتت قريبة، في ظل اتساع الخلاف بين الطرفين حول الملف النووي والحصار البحري والعقوبات.
وتتسع دائرة المخاطر مع تطورات اليمن، حيث استهدف الحوثيون السعودية بصاروخ باليستي جرى اعتراضه، واستؤنفت الرحلات في مطار عدن بعد توقف أعقب قصفاً تبناه الحوثيون، وسط استمرار المعارك وتفاقم الأزمة الإنسانية. وتظهر هذه التطورات ترابط ساحات المنطقة وانعكاس أي تصعيد على أمن الخليج والملاحة والطاقة، فيما لا يحتمل لبنان أن يتحول مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات.
