من سيخلف نبيه بري؟

كتب داني حداد في موقع mtv:
من سيخلف نبيه بري؟ سيكون هذا السؤال عنواناً لمرحلة مقبلة، ولو بدأ يُطرح في الكواليس بخفر. فالرجل أبرز شخصية سياسية اقترنت بها مرحلة طويلة من تاريخ لبنان، منذ ترؤّسه حركة أمل سنة 1980 وحتى اليوم، مروراً بتولّيه رئاسة مجلس النواب منذ 34 عاماً وستة أيام، بالتمام والكمال. وقد حمل خلالها مطرقة ضرب بها على الطاولة، وعقد التسويات والصفقات، وخاض المواجهات، وحقّق المكاسب، ومنع البلد أحياناً من الانزلاق إلى ما هو أسوأ مما نحن فيه.
لم يقبل بري يوماً أن يخوض في مسألة التوريث. رسم حدوداً لكل طامح، من العائلة ومن خارجها، ويجيب بلهجته الجنوبية، بحزم، عندما يُسأل عن الموضوع. وفي هذا المبدأ، غير المألوف كثيراً في حياتنا السياسية اللبنانية، إيجابية وسلبية. الإيجابية هي أنّ الرجل الذي اتّخذ محاربة الإقطاع عنواناً لانطلاقته السياسية يرفض أن يمارس السلوك نفسه، فتنضمّ عائلة بري إلى العائلات التي تمارس السياسة جيلاً بعد جيل.
أمّا السلبية، فهي أنّه يفتح الباب أمام صراع على الخلافة، مثلّث الأضلاع: رئاسة حركة أمل، والمقعد النيابي، ورئاسة مجلس النواب. وقد بدأنا نلمس تنافساً بين المحيطين به على هذه المواقع، ولو أنّه لا يزال في بداياته، إلا أنّه مرشّح للتصعيد مع مرور الأيام.
ويصبح السؤال عن الخلافة أكثر إلحاحاً، إذا قرّر بري عدم الترشّح، علماً أنّه سيكون قد بلغ التسعين من العمر عند حلول موعد الاستحقاق الانتخابي في أيار 2028، خصوصاً أنّ هذا الاستحقاق مرشّح لتأجيل آخر.
ومن المؤكّد أنّ أحداً لا يستطيع اليوم حسم الإجابة عن سؤال الخلافة، ولو أنّنا نكاد نجزم بأنّ لا أحد قادر على خلافته في المناصب الثلاثة معاً، أي إنّ الخلافة قد تؤول إلى ثلاثة أشخاص.
يحيلنا منطق الأمور إلى ثلاثة أسماء من خارج العائلة: النائب علي حسن خليل، والنائب قبلان قبلان، وأحمد البعلبكي. الأول والثالث، للتذكير، مدرجان على لائحة العقوبات الأميركية، ما يقطع عنهما، منطقياً، طريق رئاسة المجلس، التي ستكون مفتوحة على صراع أوسع بعد الانتخابات النيابية المقبلة، وفقاً للظروف المرتبطة حينها بواقع البلد والطائفة الشيعية. وتبرز هنا أسماء ياسين جابر وعباس إبراهيم وآخرين.
أمّا داخل العائلة، فيبرز صراع بين جيلين وتجربتين: الابن الثاني، عبدالله بري، والابن الأصغر، باسل بري. وتعزيز حظوظ أحدهما مرتبط بعوامل عدّة، من أبرزها ما إذا كان بري قد قرّر ترك مقعده النيابي وهو على قيد الحياة. ففي هذه الحالة، سيكون هو من يختار خليفته في المقعد النيابي، الذي قد يذهب إلى أحد الاسمين، مع ترجيح الثاني.
لكنّ خلافة نبيه بري تتخطّى إطار العائلة والمحيط والطائفة. لن تعود الحياة السياسية كما كانت من دونه، وستفقد، في كثير من الاستحقاقات، ضابط توازنها، تماماً كما ستفقد الطائفة الشيعية صوت عقل منعها، مراراً، من المضيّ أكثر نحو الانتحار الجماعي، وبقي صوتاً يحاور العرب والغرب، فيُصغون إليه ويلجأون إليه.
وإذا كان نبيه بري غارقاً في الحزن على ما أصاب الجنوب، الذي كان المساهم الأكبر في بنائه على مدى أربعين عاماً، من دمار، فإنّ الخشية تكمن أيضاً في أن تؤدّي صراعات الخلافة إلى هدم ما بناه من موقع سياسي في المعادلة اللبنانية. علماً أنّ محيطه بدأ يشهد كباشاً حول توجّه هنا وتعيين هناك، في ما يشبه صراع الأجنحة الذي بدأ يتظهّر، وقد يتطوّر أكثر.
ليس في طرح مسألة خلافة نبيه بري ما يتّصل بالأعمار، فهي بيد الله. وصحّة «الرئيس»، كما يسمّيه المقرّبون، جيّدة. المقاربة هنا سياسية، وهي استباق لما قد يأتي في الأيام المقبلة. وحتى ذلك الحين، سيبقى نبيه بري اللاعب الأول في الحياة السياسية اللبنانية، يمتعك أحياناً بأدائه، ولو كنت في موقع الخصومة. ويقول البعض إنّ خصومه قد يفتقدونه يوماً أكثر من حلفائه.
