حزب الله يحرّك سندات الدولار

كتب أنطوان فرح في صحيفة نداء الوطن:

في ظل التثبيت الاستثنائي لسعر صرف الليرة المستمر منذ النصف الثاني من العام 2023، والذي اعتمد مبدأ التنسيق بين السلطتين المالية والنقدية، بهدف ضبط حجم الكتلة النقدية بالليرة، لم يعد سعر الصرف مؤشرًا صالحًا لاعتماده في قراءة مناخ الاقتصاد. وبالتالي، خسرت العملة الوطنية الدور الذي تضطلع به في العادة أسعار العملات في الاقتصادات ذات النظام النقدي الحر، والتي تعتبر من أهم المؤشرات التي تتم قراءتها من قبل الخبراء والمستثمرين لتقييم الوضع المالي والاقتصادي في أية دولة.

في ضوء هذا الواقع، برزت أسعار الأوراق اللبنانية (اليوروبوندز)، المدرجة في الأسواق العالمية، كمؤشر بديل يمكن اعتماده موضوعيًا، لقياس أداء الاقتصاد، وبالتالي، تحديد نظرة المستثمرين إلى الوضع السيادي، ونسبة المخاطر المحيطة به. قد يدخل عنصر المضاربة الظرفية على الخط، ويعطي إشارات مضللة بعض الشيء، لكنه يبقى عنصرًا ظرفيًا لا يرتقي إلى مستوى القراءة المستدامة والشفافة.

من خلال قراءة مؤشرات اليوروبوندز منذ الانهيار في العام 2020، يُظهر الرسم البياني ترابطًا وثيقًا بين المناخين السياسي والاقتصادي السائدين في البلد، وتحركات أسعار سندات الدولار. وبينما كانت الليرة ثابتة في العام 2023، كانت أسعار اليوروبوندز تهبط إلى أدنى مستوياتها، بحيث اقترب سعر السند من 6.2 سنتات. بمعنى أن سعر الصرف في الداخل كان يوحي بعودة الثقة إلى الوضع اللبناني، في حين أن أسعار السندات كانت تؤشر إلى انهيار الثقة إلى أدنى مستوياتها في الخارج. وبطبيعة الحال، بلغ التراجع في حينه، مستوى قياسيًا يندُر أن بلغته أوراق مالية في الأسواق الناشئة.

في متابعة لمسار تطور أسعار اليوروبوندز، يتضح أن الوضع بدأ يتغيّر بشكل ملموس في اتجاه إيجابي منذ أن اتخذت حرب الإسناد التي بدأها "حزب الله" في اواخر العام 2023، منحى التصعيد الحاسم منذ أيلول 2024. وكان التفسير المنطقي لارتفاع الأسعار يرتبط بقراءة إيجابية للمستثمرين في الخارج حيال إمكانية إضعاف "حزب الله" تمهيدًا لإنهاء وضعيته الشاذة داخل الدولة. ومنذ ذلك الحين، تفاعلت السندات وتماهت مع التطورات المرتبطة بهذا الموضوع حصرًا. وهكذا ساهم انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون في مطلع العام 2025، ومن ثم مضمون خطاب القسم الذي تحدث بوضوح عن حصرية السلاح لدى الدولة، بارتفاع إضافي في أسعار الأوراق اللبنانية. وساهمت القرارات الحكومية المتتالية، المتعلقة بحصرية السلاح، وصولًا إلى اعتبار الجناح العسكري في "الحزب"، خارجًا على القانون في إعطاء دفع إيجابي لأسعار السندات.

أخيرًا، وبعد اندلاع الحرب الأميركية على إيران، أرسلت الأسواق إشارات أكثر من إيجابية في الرهان على أن إيران ستخرج ضعيفة، وبالتالي سينعكس ذلك على "حزب الله"، وستصبح الدولة اللبنانية قادرة على استعادة "سيادتها" الداخلية الكاملة. ووصل سعر السند في بداية آذار 2026 إلى 30 سنتًا. لكنه لم يستقر على هذا الرقم، بما أوحى أن المستثمرين بدأوا يشككون بطريقة انتهاء الحرب والنتائج التي ستخرج بها.

وعندما أعلن رئيس الجمهورية قرار التفاوض مع إسرائيل، عاد اليوروبوند إلى مسار الارتفاع.

اليوم، يتراوح السعر بين 26 و27 سنتًا. وكان يمكن أن يرتفع أكثر لولا صدمة الممانعة الداخلية التي يمارسها "حزب الله" ويحاول من خلالها عرقلة نجاح المفاوضات. وفي الإمكان متابعة حركة اليوروبوندز في الأيام المقبلة، وسيتبين أنه كلما اقتربت الدولة من احتمال نجاحها في استعادة القرار من "حزب الله"، سترتفع أسعار الأوراق اللبنانية في مؤشر على ارتفاع الثقة، وكلما ابتعدت عن النجاح في ذلك، ستنخفض الأسعار تماهياً مع انخفاض الثقة. وهكذا يبدو وكأن "حزب الله"، في مواقفه ووضعيته، هو المحرّك الأساسي لأسعار السندات الخارجية، صعودًا أو هبوطًا.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى