لودريان يحطّ في لبنان... زيارة حضور بلا حلول

كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن:
لم يعد القرار في باريس. هذه حقيقة تدركها الدبلوماسية الفرنسية قبل غيرها. لذلك يصل الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت من دون مبادرة وبلا أفكار جديدة، ومن دون القدرة على إحداث خرق في الملفات المطروحة، حتى لو دعت باريس مجلس الأمن إلى الانعقاد من أجل مناقشة الحرب في لبنان.
يلتقي لودريان رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وعددًا من المسؤولين. لكن الزيارة، بحسب أوساط سياسية متابعة، ليست زيارة حلول. إنها زيارة حضور.
تقول الأوساط إن فرنسا تعرف جيدًا أن الملف اللبناني انتقل إلى مكان آخر. بعد الحرب الأخيرة، تبدّلت موازين القوى السياسية والدبلوماسية، وأصبحت الولايات المتحدة الأميركية صاحبة الكلمة الأولى في الملفات الأساسية، من مستقبل الجنوب إلى ملف السلاح، وصولا إلى الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل عليها. ظهر هذا الأمر بوضوح من خلال إيقاف الرئيس دونالد ترامب الهجوم الإسرائيلي على الضاحية مساء الاثنين.
لذلك لا يحمل لودريان أي تصور جديد. كما أنه لا يتحرك ضمن إطار اللجنة الخماسية. عمليًا، تراجع دور هذه اللجنة بعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة. أما المرحلة الحالية فتُدار عبر قنوات مختلفة، تتصدرها واشنطن التي تمسك مباشرة بالملفات الحساسة
وتكشف مصادر متابعة أن زيارة لودريان لا تشكّل محاولة فرنسية للالتفاف على الدور الأميركي. فباريس تعرف حجمها الحالي وحدود قدرتها على التأثير. كما تدرك أن الإدارة الأميركية أبعدتها عن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي أعقبت الحرب، وأمسكت بنفسها بخيوط اللعبة اللبنانية.
لا يمكن فصل الزيارة عن محاولة فرنسية واضحة للحفاظ على موقع داخل المشهد اللبناني الجديد. فباريس تخشى أن تجد نفسها خارج التسويات المقبلة. لذلك تسعى إلى تثبيت حضورها السياسي، وإبلاغ الجميع أنها لا تزال موجودة ولم ترفع يدها عن لبنان.
وتتعامل فرنسا بواقعية مع الوقائع المستجدة. فهي تعرف أن الرئيس ترامب وضع الملف اللبناني تحت المظلة الأميركية المباشرة، وتعرف أيضًا أن أي تسوية كبرى لن تمر من دون موافقة واشنطن. لذلك اختارت عدم المواجهة، والبحث بدلا من ذلك عن دور داخل المعادلة الجديدة.
لن يطرح لودريان أي مواقف تعرقل المسار القائم، بل سيشجّع على استكمال المفاوضات المباشرة التي يجري العمل عليها لمعالجة النقاط العالقة بين لبنان وإسرائيل. فالموقف الفرنسي اليوم يقوم على دعم أي مسار يؤدي إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة المواجهات العسكرية.
كما سيؤكد الموقف الفرنسي الداعم لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وتشير المصادر إلى أن باريس لم تعد تنظر إلى هذا الملف كعنوان خلافي داخلي، بل كجزء من المسار الدولي الذي يجري الدفع باتجاهه في لبنان. لذلك سيشدّد لودريان على ضرورة تعزيز سلطة الدولة وتوسيع دور المؤسسات الشرعية.
ويحضر ملف القوات الفرنسية العاملة ضمن "اليونيفيل" في محادثاته. باريس تتابع باهتمام النقاش الدائر حول مستقبل القوة الدولية بعد انتهاء ولايتها الحالية، كما تراقب أي توجه لإعادة النظر في المهام أو الصلاحيات أو حجم الانتشار. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة إلى فرنسا، لأنه يرتبط مباشرة بنفوذها السياسي والعسكري في الجنوب.
لا يحمل لودريان مبادرة ولا تسوية ولا خريطة طريق. فالمرحلة لم تعد فرنسية، والقرار لم يعد في باريس، والوساطة لم تعد بيد الإدارة الفرنسية. يأتي الموفد الفرنسي لأن باريس لا تريد أن تتحول إلى متفرج في لبنان الذي يُعاد رسمه. فواشنطن تفاوض وتقرر وتمسك بالملفات الأساسية، في ما تحاول فرنسا منع خسارة موقعها بالكامل وحجز مقعد لها على طاولة المرحلة المقبلة.
