إيران تعيد الإنترنت بعد الحجب.. والشعب يسارع إلى الـ VPN

تمكن عشرات الملايين من الإيرانيين من الوصول إلى الإنترنت للمرة الأولى منذ ما يقرب من ثلاثة أشهر، بعد أن تحركت السلطات لإنهاء حجب فرضته ظروف الحرب وأبقى معظم البلاد خارج الشبكة، متسبباً في تدمير أعمال تجارية عديدة.
وجاءت استعادة الخدمة بعدما صادق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على تصويت أجرته لجنة مختصة بالفضاء السيبراني للسماح للإيرانيين بالعودة إلى الإنترنت، رغم محاولات بعض المتشددين إبطال قرار اللجنة.
وقال وزير الاتصالات الإيراني ستار هاشمي في بيان عبر منصة "إكس" الأربعاء: "شعب إيران يستحق تواصلاً حراً ومستقبلاً مشرقاً واقتصاداً ديناميكياً، وخدمة هذا الشعب العظيم هي طريقة لتكريم الإرث الأبدي لإيران."
وأفادت مجموعة "نت بلوكس" لمراقبة الإنترنت بحدوث ارتفاع إضافي في مستوى الاتصال داخل إيران الأربعاء، بعد استعادة جزئية للخدمة مساء الثلاثاء.
ووصفت المجموعة حجب الإنترنت في إيران بأنه "أطول انقطاع وطني للإنترنت في التاريخ الحديث"، محذرة من أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إعادة الخدمة ستستمر بشكل دائم.
وقال أحد سكان طهران لصحيفة "ذا ناشيونال": "الجميع تقريباً عادوا إلى الإنترنت. الواي فاي عاد أمس بعد الظهر، والإنترنت عبر الهاتف عاد الليلة الماضية. بالنسبة لي السرعة بطيئة جداً، لكن آخرين لديهم سرعة جيدة."
ومنذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، لم يتمكن معظم سكان إيران البالغ عددهم 90 مليون نسمة من الوصول إلى الإنترنت العالمي، واقتصر الأمر على شبكة داخلية خاضعة لرقابة مشددة، سمحت باستمرار بعض الخدمات مثل البنوك والتوصيل.
وأثار الحجب الحكومي انتقادات واسعة من الإيرانيين والمجتمع الدولي، خصوصاً خلال أسابيع القصف الأعنف في بداية الحرب، حين حدّ من قدرة الإيرانيين على الاطمئنان على ذويهم.
وشبّه أحد سكان طهران عودة الإنترنت بلص يعيد شيئاً مسروقاً ثم ينتظر من الضحية أن تشكره، مضيفاً أن السلطات "أرادت فصلنا تماماً عن الشبكة، لكن الشعب لن يقبل بذلك أبداً."
وجاء الحجب خلال الحرب بعد إغلاق استمر أسابيع أثناء احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة في يناير، تم قمعها بالقوة، ما يعني أن الإيرانيين أمضوا معظم هذا العام دون اتصال حقيقي بالإنترنت.
العودة إلى VPN
وحتى قبل ذلك، كانت مواقع مثل تويتر وإنستغرام محجوبة داخل البلاد، فيما قالت "نت بلوكس" إن القيود لا تزال قائمة "لكن يمكن تجاوزها."
ولطالما استخدم الإيرانيون شبكات VPN لتجاوز القيود، وتمكنوا عبرها من الوصول إلى مواقع محظورة مثل إنستغرام.
وقال أحد سكان جنوب إيران الأربعاء إن شرائح الاتصال العادية تعمل حالياً مع VPN يسمح بالدخول إلى المواقع المقيدة.
وأضاف: "اشتريت للتو VPN غير محدود صالحاً لشهر مقابل 300 ألف تومان (1.70 دولار)، والسرعة جيدة."
وخلال الحرب، تمكن بعض الإيرانيين، بينهم مسؤولون حكوميون حصلوا على ما يعرف بـ"شرائح الاتصال البيضاء"، من الوصول إلى الإنترنت رغم الحجب، ما أثار انتقادات بأن طهران قطعت الإنترنت عن غالبية السكان للتحكم بالرواية المتعلقة بالحرب.
كما استخدم آخرون إعدادات VPN معقدة ومكلفة للوصول إلى الشبكة، بينما طرحت شركات الاتصالات شرائح "إنترنت برو" المخصصة لأصحاب الأعمال.
وأثارت هذه الخطوة غضب كثير من الإيرانيين الذين وصفوا "إنترنت برو" بأنه جزء من نظام إنترنت "طبقي"، لأنه غير متاح للجميع، ولأن تكلفته أعلى بكثير من الأسعار المعتادة.
وكتب الصحفي بيجمان موسوي على منصة "إكس"، في أول منشور له منذ 25 فبراير: "تحية لشعب إيران الذي صمد ورفض الخضوع لإهانة الإنترنت المميز، حتى نتمكن جميعاً من العودة إلى هنا معاً."
كما كتب عامل في مؤسسة خيرية، في أول منشور له منذ 28 فبراير، أنه افتقد التواجد على الإنترنت لكنه "لم يكن مستعداً لقبول إذلال وقمع الإنترنت الطبقي من أجل الاتصال بالشبكة."
وقال أحد الإيرانيين الذين تمكنوا من استخدام خدمة "إنترنت برو" إن تكلفة البيانات بلغت 2.2 مليون تومان (نحو 12.5 دولاراً) مقابل 5 غيغابايت فقط.
وأضاف ساخراً: "لا أستطيع التوقف عن الضحك كلما قلت عبارة ’إنترنت برو‘. إنها مجرد وسيلة لبعض مزودي الخدمة مثل إيرانسل لجني الأموال."
تجارة خارج التغطية
وتعرضت قطاعات اقتصادية تعتمد على الإنترنت لضربات قاسية.
وكان أصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعتمدون على التسويق والمبيعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي من بين الأكثر تضرراً، إذ لم يعد العملاء قادرين على الوصول إليهم، كما ضاعت سنوات من العمل لبناء الظهور عبر الخوارزميات ومحركات البحث.
وقالت غرفة التجارة الإيرانية الشهر الماضي إن الخسائر المباشرة الناتجة عن الحجب تراوحت بين 30 و40 مليون دولار يومياً، في وقت يعاني فيه الإيرانيون بالفعل من تضخم مرتفع وفقدان الوظائف.
وحذرت بعض الشركات من أن عودة الإنترنت لن تكون كافية لتعويض آثار الانقطاع الطويل.
وكتب متجر إلكتروني لبيع مستلزمات الزراعة في طهران عبر "إكس" الأربعاء: "أمضينا سنوات من حياتنا وشبابنا في العمل، لكنهم أعادوا كل شيء إلى نقطة الصفر." وأضاف: "الحقيقة أن إنشاء مشروع إلكتروني في بلد مثل إيران لا معنى له إطلاقاً."
وتأتي استعادة الإنترنت بينما تتواصل المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بوساطة باكستانية، في ظل وقف إطلاق نار هش قائم منذ 8 أبريل.
