فرصة جديدة للبنان: كيف نغتنمها؟

كتب أحمد الأيوبي في صحيفة نداء الوطن:

أدت الاضطرابات الأخيرة في أسواق الطاقة العالمية، وتزايد المخاوف بشأن الاعتماد على مضيق هرمز، إلى خلق طلب دولي على مصادر بديلة للطاقة والتجارة والبنية التحتية. وبناء على التحولات المتوقعة، يمكن لموقع لبنان الجغرافي أن يحوّله من مورد استراتيجي مهدر إلى مركز اقتصادي إقليمي ذي أهمية عالمية. لكن ثمة شرط أساسي: استعادة السيادة الكاملة للدولة وتفكيك الميليشيات المسلحة وعلى رأسها "حزب الله".

لسنوات، تركز النقاش في لبنان على الأمن والحرب والمقاومة. واليوم، حان الوقت لطرح سؤال مختلف: ما هي التكلفة الاقتصادية لاستمرار وجود "حزب الله" كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة اللبنانية، مرتبطة بإيران عضوياً؟

وما الثمن الذي يدفعه ملايين اللبنانيين من خلال خسارة الاستثمارات، وفقدان الوظائف، وتراجع السياحة، وضياع فرص التنمية؟

ما يجب أن ينتبه اللبنانيون إليه هو أنّ العالم يبحث عن بدائل لمضيق هرمز. فقد أبرزت الأزمات الأخيرة في الشرق الأوسط مخاطر الاعتماد على مسار طاقة واحد، ولهذا تبحث الحكومات والمستثمرون وشركات الطاقة عن ممرات برية وبحرية جديدة تربط الخليج والبحر الأبيض المتوسط والأسواق العالمية.

يقع لبنان في قلب هذه الجغرافيا الاستراتيجية. وهو قادر على التحول من ساحة حرب إلى ممر اقتصادي، وبدلاً من أن يرتبط لبنان بالصواريخ والحروب والأزمات، يمكنه أن يصبح مركزًا إقليميًا لـ: الطاقة، الخدمات اللوجستية، التجارة، الخدمات المصرفية، السياحة، الاستثمار الأجنبي، وتُقاس القيمة المحتملة لهذا التحوّل بمليارات الدولارات، ويمكن أن تُحقق نموًا اقتصاديًا طويل الأجل.

لقد أصبح "حزب الله" عبئًا اقتصاديًا. فالمستثمرون لا يستثمرون في الدول التي تُعتبر مناطق حرب. ولا تُخصص الصناديق الدولية مليارات الدولارات للدول التي تعمل فيها قوات مسلحة خارج سيطرة الحكومة.. وطالما يُنظر إلى لبنان على أنه دولة يحتفظ فيها "حزب الله" بقدرة عسكرية خارج الدولة ويُستخدم كأداة للنفوذ الإيراني، فسيواجه صعوبة في جذب رؤوس الأموال الدولية.

من أبرز خلاصات المرحلة الحالية أنّه لا انتعاش اقتصادياً بدون سيادة، فالانتعاش الاقتصادي يبدأ بالأمن، والأمن يبدأ بالسيادة التي تتحقق عندما تكون الدولة هي السلطة الوحيدة التي تمتلك السلاح.

يبدي المجتمع الدولي استعداده للاستثمار في الدول. لكنه غير مستعد للاستثمار في الميليشيات المدعومة من إيران. ولا يمكن لاقتصاد قائم على الصواريخ أن يتعايش مع اقتصاد قائم على الاستثمار، كما أنّ كل دولار يُستثمر في ميليشيا هو دولار لا يُستثمر في مستقبل لبنان، لأنّ "حزب الله" يعد بالمقاومة والحروب الدائمة، بينما يعد الاستثمار بمستقبل أفضل."

المعادلة المطلوبة هي:"دولة واحدة. جيش واحد. اقتصاد واحد." والنقاش الحقيقي في لبنان ليس بين إسرائيل و"حزب الله"، ولا بين إيران والولايات المتحدة. النقاش الحقيقي يدور بين رؤيتين للمستقبل: دولة على خط المواجهة تخدم مصالح أجنبية، أو لبنان ذو سيادة، مستقر، ومزدهر، يستغل موقعه الجغرافي الفريد ليصبح مركزًا إقليميًا للطاقة والتجارة والتمويل.

الخيار الذي يواجه لبنان ليس سياسيًا فحسب، بل هو اقتصادي واستراتيجي وجيليّ. إن القرارات التي ستتخذ اليوم ستحدد ما إذا كان لبنان سيظل عالقاً في دوامات الصراع أم سيبرز كواحد من أهم مفترق الطرق الاقتصادية في الشرق الأوسط.

أتقنت السلطة اللبنانية إهدار الفرص وتضييعها في كلّ المحطات والاستحقاقات، وآخرها كان تركيبة هذا العهد والزخم الذي تلاشى مع المراوحة المتواصلة في الملفات المفصلية، لهذا يُخشى الآن تكرار هذا الفشل.

طرح الرئيس السوري أحمد الشرع على لبنان الاستعانة بمظلة سعودية تركية قطرية سورية لإنقاذ لبنان على غرار ما شهدته سوريا، وهذا يوجب على رئيس الجمهورية الكفّ عن التلاعب على خطوط الطاقة، وأن يتوقف عن الميل إلى الخطّ الإسرائيلي القبرصي اليوناني، وأن يبادر إلى التحرك نحو الرياض وأنقرة والدوحة، وحتى القاهرة، في إطار توازن إقليمي آمن يضمن للبنان حلّ معضلة السلاح غير الشرعي، ويكفل له العودة إلى التعافي والانخراط في المجتمعين العربي والدولي، سياسياً واقتصادياً.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى