كيف سينعكس اتفاق الاطار على مسار الاقتصاد؟

كتبت رنى سعرتي في صحيفة نداء الوطن:
توقع كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) وآسيا الوسطى في معهد التمويل الدولي د.غربيس إيراديان أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد خلال عام 2026، فيما سيعتمد مسار التعافي ابتداءً من عام 2027 استناداً الى تطور الأوضاع الأمنية ومدى تنفيذ الإصلاحات.
أعدّ إيراديان تقريرا تحت عنوان: " لبنان: الآفاق الاقتصادية في ظل مسارات سياسية متزايدة التوتر ومتباينة"، حصلت "نداء الوطن على نسخة منه، شرح فيه كيف يمكن للنتائج المختلفة لتنفيذ اتفاق الاطار بين لبنان واسرائيل ، إلى جانب الإصلاحات السياسية والمؤسساتية المرتبطة به، أن تؤثر في آفاق الاقتصاد اللبناني على المدى المتوسط. ونظراً لارتفاع مستوى عدم اليقين بشكل استثنائي، عرض إيراديان سيناريوهين يوضحان كيف يمكن لاختلاف المسارات الأمنية والإصلاحية أن يرسم مستقبل التعافي الاقتصادي.
تعمّق الأزمة
يتوقع التقرير انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 12% خلال عام 2026. كما تراجعت إيرادات السياحة وتدفقات إعادة الإعمار، وهما من المصادر القليلة المتبقية للعملات الأجنبية. ورغم ذلك، لا تزال الاحتياطيات الرسمية تقارب 11.6 مليار دولار، بينما يعكس استقرار سعر الصرف منذ آب 2023 سياسة إدارة السيولة أكثر مما يعكس تحسناً في الأسس الاقتصادية.
التصحيح المالي مستمرّ.. ولكن
حقق لبنان تصحيحاً مالياً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت إيرادات الدولة من 12% من الناتج المحلي في عام 2023 إلى 19% في عام 2025، مدفوعة بتحسين الجباية وتعزيز الإدارة الضريبية. وفي المقابل، بقي الإنفاق العام مضبوطاً، مما أدى إلى تحقيق فوائض مالية أولية وأسهم في استقرار سعر الصرف.
إلا أن هذا التحسن لا يزال هشاً، إذ سيؤدي الانكماش الاقتصادي في عام 2026 إلى الضغط على الإيرادات، بينما ستفرض متطلبات إعادة الإعمار، وزيادة الأجور، وسد فجوات البنية التحتية، ارتفاعاً تدريجياً في الإنفاق العام.
كما يشير التقرير إلى أن إيرادات الجمارك لا تزال أقل بكثير من المتوقع مقارنة بحجم الواردات، نتيجة استمرار التهرب وضعف الإدارة. لذلك، فإن تحسين إدارة الحدود، وتحديث الإجراءات الجمركية، وتعزيز الامتثال الضريبي، تعد خطوات ضرورية للحفاظ على الإيرادات دون اللجوء إلى زيادات ضريبية تضر بالاقتصاد.
لا تزال أسعار سندات اليوروبوند اللبنانية تستند إلى توقعات التعافي على المدى الطويل أكثر من استنادها إلى الأسس الاقتصادية الحالية. فبعد أن بلغت نحو 29 سنتاً للدولار في شهر شباط، تراجعت إلى حوالي 25 سنتاً حالياً. وعلى الرغم من أن هذا المستوى لا يزال منخفضاً للغاية، فإنه يبقى أعلى بكثير من مستويات التعثر التي سادت خلال الفترة 2020–2023.
يعكس هذا التراجع ازدياد المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، وليس انهياراً في توقعات التعافي. ولا تزال الأسواق تراهن، وإن بحذر شديد، على إمكانية التوصل مستقبلاً إلى برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والحصول على دعم مالي خارجي. كما أن ضعف السيولة في السوق يزيد من حساسية أسعار السندات تجاه التطورات السياسية والأمنية.
ويتوقع التقرير أن تتداول السندات خلال ما تبقى من عام 2026 ضمن نطاق 25 إلى 30 سنتاً للدولار. أما إذا تحققت ترتيبات أمنية موثوقة، وتقدمت الإصلاحات بصورة ملموسة، واتضحت التزامات إعادة الإعمار، فقد ترتفع الأسعار إلى أكثر من 30 سنتاً. وبحلول عام 2027، سيعتمد مسار الأسعار على نجاح الإصلاحات، إذ قد ترتفع إلى 35–40 سنتاً في السيناريو الإيجابي، بينما قد تبقى بين 20 و30 سنتاً إذا تعثرت الإصلاحات.
المبادرة الإطارية
يرى إيراديان أن اتفاق الإطار الذي أُعلن في 26 حزيران برعاية الولايات المتحدة يمثل خريطة طريق محتملة لتخفيف التوترات الأمنية بين لبنان وإسرائيل، لكنها ليست اتفاق سلام ولا تضمن تطبيع العلاقات السياسية. كما أن تنفيذها يظل مرهوناً بتحديات سياسية داخلية كبيرة، وقضايا أمنية لم تُحسم بعد، إضافة إلى الحاجة لاستمرار الدعم والانخراط الدولي.
ويؤكد التقرير أن السيناريوهات المطروحة لا تهدف إلى تقييم المبادرة من الناحية السياسية، بل إلى توضيح الكيفية التي قد تؤثر بها نتائج تنفيذها المختلفة في الاقتصاد اللبناني خلال السنوات المقبلة.
السيناريو الأول: استمرار عدم الاستقرار وتعثر الإصلاحات
يفترض هذا السيناريو أن الانقسامات السياسية والمخاطر الأمنية تحول دون تحقيق أي تقدم فعلي في تنفيذ المبادرة أو الإصلاحات الأوسع. ولا يعكس هذا السيناريو موقفاً سياسياً من المبادرة، بل يسلط الضوء على احتمال تعثر التنفيذ نتيجة غياب التوافق بين القوى السياسية الرئيسية.
وفي هذا المسار، تؤدي الخلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الدور العسكري لحزب الله، واستعادة الدولة لسلطتها الأمنية، إلى إخفاقات متكررة في التنفيذ وتجدد التوترات. كما تؤدي المواجهات المحدودة، أو العمليات العسكرية الإسرائيلية المتقطعة، أو استمرار الشلل السياسي، إلى إضعاف سلطة الدولة وتعطيل الإصلاحات المؤسسية.
وفي ظل هذه الظروف، يتوقع التقرير أن يبقى الاقتصاد اللبناني في حالة نمو ضعيف، بحيث لا يتجاوز متوسط نمو الناتج المحلي الحقيقي 2% سنوياً خلال الفترة 2027–2030، إلى أن يتحقق الاستقرار السياسي وتنفيذ برنامج إصلاحي يتمتع بالمصداقية.
السيناريو الثاني: تحسن تدريجي في الاستقرار وتسارع الإصلاحات
يعرض هذا السيناريو مساراً أكثر إيجابية، تتحسن فيه الأوضاع الأمنية ويتمكن الفاعلون السياسيون من التوافق على برنامج إصلاحي متماسك، يتضمن تنفيذ المبادرة الإطارية بصورة تدريجية.
وفي هذا السيناريو الافتراضي، تشهد البيئة الأمنية استقراراً تدريجياً، وتتمكن المؤسسات السياسية من تحقيق الحد الأدنى من التنسيق حول الإصلاحات الأساسية. في ظل هذه الظروف، تتمكن الحكومة من تنفيذ إصلاحات ضمن برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي، وتعزيز إدارة المالية العامة، وإحراز تقدم في إعادة هيكلة القطاع المصرفي. ويسمح ذلك بالحصول على تمويل خارجي من دول مجلس التعاون الخليجي، وأوروبا، والمؤسسات المالية الدولية، إضافة إلى استثمارات اللبنانيين في الاغتراب، مما يسرّع عملية إعادة الإعمار من خلال القروض الميسرة، والمنح، وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويتوقع التقرير أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الحقيقي 6.3% سنوياً خلال الفترة 2027–2030، مدفوعاً بزيادة الإنفاق على إعادة الإعمار، وارتفاع الاستثمار العام، والانتعاش القوي في قطاعي السياحة والخدمات. كما يتحسن ميزان المدفوعات بصورة ملحوظة، إذ ينخفض عجز الحساب الجاري من نحو 30% من الناتج المحلي في عام 2026 إلى حوالي 18% بحلول عام 2030، مدعوماً بزيادة الصادرات والمنح الثنائية.
ويتوقع أيضاً أن ترتفع الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية من حوالي 11 مليار دولار في عام 2026 إلى نحو 28 مليار دولار بحلول عام 2030، مما يعزز ميزانية مصرف لبنان ويفتح المجال أمام تسوية نسبة أكبر من الودائع المجمدة.
أما على الصعيد المالي، فتتحسن أوضاع المالية العامة مع ارتفاع الإيرادات نتيجة النمو الاقتصادي والمنح الخارجية، بينما يحدّ التمويل الميسّر من الحاجة إلى الاقتراض المحلي. كما يتراجع الدين العام من 141% من الناتج المحلي في عام 2026 إلى 69% في عام 2027 بعد إعادة هيكلة الدين ضمن برنامج صندوق النقد، ثم ينخفض تدريجياً إلى 66% بحلول عام 2030، رغم اقتراض نحو 12 مليار دولار من القروض الميسرة، وذلك بفضل النمو الكبير في الناتج المحلي المقوم بالدولار.
وبحلول عام 2030، يتوقع التقرير أن ينتقل لبنان إلى بيئة اقتصادية أكثر استقراراً، تتميز بمؤسسات أقوى، واستعادة الثقة، ومسار موثوق نحو التعافي طويل الأجل.
حل أزمة الودائع
يشدد ايراديان في تقريره على أن أي تعافٍ اقتصادي دائم يتطلب معالجة قضية الودائع المجمدة وإعادة تفعيل الدور الطبيعي للقطاع المصرفي. فبالرغم من أن الاستثمار الأجنبي المباشر، والتمويل الميسر، والإنفاق على إعادة الإعمار يمكن أن يدفعوا عجلة النمو في البداية، فإنهم لا يستطيعون ضمان نمو يقوده القطاع الخاص في ظل غياب نظام مصرفي يعمل بكفاءة.
ويشير التقرير إلى أن نحو 80 مليار دولار من الودائع المجمدة لا تزال تمثل عائقاً رئيسياً أمام استعادة الثقة، وتحفيز الاستهلاك والاستثمار، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وإذا لم تُنفذ عملية إعادة هيكلة شفافة وذات مصداقية قانونية للقطاع المصرفي، فقد يتحول الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد نقدي لفترة طويلة، مع ضعف الائتمان، وتراجع الاستثمار المحلي، واستمرار خروج الرساميل إلى الخارج.
ثلاث مراحل للتعافي الاقتصادي
يتوقع التقرير أن يمر تعافي لبنان بثلاث مراحل رئيسية:
- المرحلة الأولى (2027–2030): يقودها الإنفاق على إعادة الإعمار، وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر، والقروض الميسرة والمنح، إلى جانب الانتعاش القوي في قطاع السياحة، بما يسمح بتحقيق نمو سنوي يقارب 7% حتى مع استمرار ضعف الوساطة المالية المحلية.
- المرحلة الثانية (2031–2034): يتحول النمو تدريجياً ليصبح قائماً على القطاع الخاص المحلي، وهو ما يتطلب عودة الإقراض المصرفي، وزيادة الاستثمار المحلي، وتوسع الصادرات.
- المرحلة الثالثة: تعتمد بصورة متزايدة على رفع الإنتاجية، والابتكار، وكفاءة الوساطة المالية، ما يجعل استعادة قطاع مصرفي سليم أمراً أساسياً للحفاظ على معدلات نمو مرتفعة على المدى الطويل.
ويخلص التقرير إلى أن حل الأزمة المصرفية ليس شرطاً فورياً لبدء إعادة الإعمار، لكنه شرط لا غنى عنه لتحويل التعافي الأولي إلى تنمية اقتصادية مستدامة.
