العقوبات وقانون العفو و"عفا الله عمّا مضى"

كتبت سناء الجاك في صحيفة نداء الوطن:
وكأن "حزب الله" كان ينتظر العقوبات الأميركية على نوابه وعلى مسؤولين أمنيين ينفذون أجندته، وكذلك على السفير الإيراني المنزوعة صلاحياته الدبلوماسية محمد رضا شيباني، ليستخدمها في عرقلة المفاوضات المرتقبة لإنهاء حرب الإسناد الغبية، وفي استنفار البيئة الحاضنة المنكوبة فتشد عصبها وتبتلع خسارتها، فيواصل استغلالها لتنفيذ أهداف إيران، التي ترفض مساعي الدولة لاسترداد حقها في السيادة، وتسعى، من خلال "الحزب" وسلاحه، للاحتفاظ بقاعدتها المطلة على البحر المتوسط.
وكان قد سبق إصدار العقوبات، عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، كشف المستور في ملف الأمنيين المرتهنين للحزب، إما بهدف الانتفاع المالي أو بفعل الالتزام الأيديولوجي بولاية الفقيه.
وبموازاة هذا التطور الدرامي، لا تزال تهب عاصفة قانون العفو، المراد منها أن تحيد عن إنصاف من أُوقفوا لسنوات من دون محاكمة، ليستغلها "الممثلون على الشعب" لإطلاق سراح تجار المخدرات وغيرهم من الأزلام الخارجين عن القانون.
وليس سرًا أن مؤسسات الدولة منخورة بشتى أنواع الفساد، منذ عقود، وتحديدًا بفعل ما تلا اتفاق الوفاق الوطني في "الطائف" من موجات عفو وتوظيفات انتفاعية في عهد الهيمنة السورية، لذا كان من البديهي أن يستغل "حزب الله" هذا الواقع ليجنّد من يخدم مشروعه، ومع فائض قوته أمعن أكثر فأكثر في اختراق هذه المؤسسات، بحيث باتت حصته فيها كفيلة بتحقيق الكثير من "الإنجازات" التي تكفل له الإطباق على مرافق هذه المؤسسات والاستثمار فيها.
ولأن المستور في لبنان معلوم، ولأن المتورطين في هذا المعلوم هم المستفيدون من غياب المساءلة والمحاسبة والعقاب، غالبًا ما كان يتم تجهيل المرتكبين الفعليين لتقتصر الاتهامات على العموميات والشعارات.
بالتالي، فإن العقوبات الأميركية على نواب "الحزب" وأزلامه في المؤسسات الأمنية، لن تؤدي المطلوب منها، تمامًا كما كانت الحال مع من سبقوهم، ممن لم تتعطل مسيرتهم السياسية والانتخابية، لكنها ستحوّل المعاقبين إلى أبطال وتعطل دور الدولة في محاسبتهم، إذا ما اتُخذ القرار بذلك في مدى منظور.
ففي لبنان، وبكل أسف، غالبًا ما يتم التغاضي عن أخطاء وخطايا وجرائم مرتكبين كثر، فـ "الممثلون على الشعب" يهبّون للدفاع عنهم، ويعزون "استهدافهم" لأسباب طائفية، وليس لما اقترفت أيديهم، أو هم يتحولون إلى أبطال أسطوريين بفعل اغتيالهم، إما على يد إسرائيل أو غيرها، فتطوى ملفاتهم المثقلة، وتبقى تداعيات جرائمهم ومفاعيلها تنخر في بنية الدولة والشرعية والسيادة.
فالواقع الذي يصعب تفكيكه، لا يسمح لعقوبات أو لمؤسسة قضائية أو رقابية بفتح تحقيق شفاف بحق معاقَب لديه مؤسسات وثروات هائلة، ليسأله عن مصدرها، سواء كان موظفًا أو مسؤولا حزبيًا أو "ممثلا على الشعب". ولا يرى المشرِّع مانعًا في إقرار قانون يسمح بإطلاق سراح مرتكبين بجرائم موصوفة، ما دام المستور والمعلوم في لبنان لا يزالان تحت خانة "عفا الله عمّا مضى".
