أيّ هواجس دفعت بري إلى الإعلان مجدداً أن سوريا ليست في وارد دخول لبنان؟

كتب ابراهيم بيرم في النهار:
لم يكن أمرا بلا دلالة أن يخرج رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال الساعات الأخيرة ويعلن بلغة أقرب إلى الجزم أن دمشق ليست في وارد التدخل في لبنان.
والحال أن سيّد عين التينة يعلم تماما أن أصداء الموقف الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام، وتحدث فيه عن دور عسكري مطلوب من الرئيس السوري أحمد الشرع أن ينهض به في لبنان عبر المساعدة في تفكيك المنظومة العسكرية لـ"حزب الله"، ما زالت تتردد وتقرع أجراسها على الرغم من أن ناطقين بلسان النظام في دمشق سارعوا إلى نفي عزمهم على تلبية مثل هذا الطلب، وأعلنوا في المقابل استعدادهم لأداء مهمات أخرى تساعد لبنان على تجاوز أزماته. وذهب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إبان زيارته لبنان أخيرا والتجول في طرابلس، إلى الإفصاح عن استعداد لفتح أبواب الحوار مع "حزب الله" إذا اقتضت "مصلحة البلدين".
لكن موجة التطمينات تلك، التي سبقتها مواقف مماثلة من الرئيس الشرع نفسه، لم تكن كافية لبعث الطمأنينة في نفوس الخائفين والمتوجسين من تجديد التفويض المُعطى قبل نحو خمسة عقود لدمشق لإدخال عسكرها إلى لبنان، مقدمة لعهد وصاية سياسية مديد على البلد. وعليه، فإن طمأنة بري إلى أن سوريا ليست عائدة إلى لبنان، هي رسالة إلى البيئة الشيعية المعنية أكثر من سواها بالأمر.
إلا أنها لم تكن كافية لتبديد آمال المراهنين على رؤية سوريا الحالية تعود لاعبا إلى مسرح السياسة اللبنانية على نحو يفضي إلى "تحرير" الساحة اللبنانية من آخر معاقل السطوة الإيرانية في البلد، وهي التي يرون أنها تحتاج إلى ضربة أخيرة بعد سلسلة الضربات التي تولاها الإسرائيلي منذ عام 2023، لكي تصير أثرا بعد عين.
الحسابات الأميركية
لا يداخل الشك الفريقين في أن النظام السوري الحالي يبدو جادا عندما يعلن أنه ليس في وارد التدخل في لبنان بالصورة التي تُطلب منه، لاعتبارات تتصل بوضعه الداخلي الصعب وبالتداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوة في هذا التوقيت، لكن العلة في تقديرهم تعود إلى الحسابات الإستراتيجية للإدارة الأميركية التي باتت تتصرف على أساس أنها تحتاج لكي تكمل إطباقها على الوضع في لبنان وطرد أعدائها منه، إلى تطورين:
الأول: عامل إقليمي مساعد يؤدي دور الوكيل، وهو ما توفره دمشق الحالية دون سواها.
الثاني: تريد واشنطن في المقابل العمل على إخراج إسرائيل من الداخل اللبناني نهائيا، لأن استمرار حضورها وفق الصورة الحالية يؤدي دورا سلبيا ويخربط أوراقها.
وبناء عليه، فإن دعوة ترامب غير المباشرة للشرع إلى دخول عمق المعادلة اللبنانية، هي بمنزلة أمر عمليات له لكي يعدّ العدة ليؤدي هذه المهمة وهذا الدور.
لذا يُتوقع أن يمارس ترامب من الآن فصاعدا سياسة العصا والجزرة مع النظام السوري للتخلي عن ممانعته أداء هذه المهمة، وثمة من يقدّر أن تذكيرات ترامب المتكررة للشرع بأنه هو من ساعد على إيصاله إلى سدة الرئاسة في بلاده، تندرج في باب الضغط عليه. أما لعبة الحوافز والجوائز فقد تجلت أخيرا في دعوته إلى قمة حلف الناتو في تركيا ولقائه المباشر معه الذي توّج بإعلان الإدارة الأميركية إلغاء قرار تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، والمأخوذ قبل عقود، وهو تعزيز لخطوة رفع قانون عقوبات قيصر المتخذ قبل أشهر.
التزامات ووظيفة
اختصارا، إذا كان النظام الحالي في دمشق قد ارتضى أن يكون في شكل أو آخر جزءا من "المحور الأميركي" في المنطقة، فقد ترتّبت عليه التزامات، وبات لزاما أن يضطلع بدور ويقوم بوظيفة، ولن تحول دون هذه المعادلة أصوات انطلقت أخيرا في بيروت تفصح عن رفضها لأي تدخل سوري، مقرونة بتصريحات سمعت في دمشق وفي بيروت أيضا، تطمئن إلى أن سوريا ليست في هذا الوارد. فثمة تجارب عدة جرت منذ عام 1975 أظهرت أن أصوات الاعتراض الأكثر علوا آنذاك لم تحل دون الدخول السوري.
