العدالة الدستورية في لبنان: لا امتداد للقضاء العادي ولا مؤسسة تشريعية

كتب أنطوان مسرة في صحيفة نداء الوطن:
يخشى حديثًا، بسبب تراجع الثقافة الحقوقية بشكل عام عالميًا في كليات قانون، ولا نقول حقوق، وبسبب حداثة الاختصاص في العدالة الدستورية، أن يتحوّل القضاء الدستوري، كما يتبيّن في حالات عديدة لبنانيًا وعربيًا وعالميًا، إلى امتداد للقضاء العادي أو إلى هيئة تشريعية طاغية على المجلس التشريعي.
لا نتكلم هنا حصرًا عن واقع المجلس الدستوري الحالي أو المجالس السابقة في لبنان. وجدت بعض العزاء في قراءة كتاب رئيس المجلس الدستوري الفرنسي الأسبق:
Jean Louis-Debré, Ce que je ne pouvais pas dire, Laffont, 2016.
ترسم العدالة الدستورية، كما يتضح من المراجع الحديثة ولجنة البندقية في الاتحاد الأوروبي والموسوعة التي تصدر سنويًا: Annuaire international de justice constitutionnelle, Economica، أن العدالة الدستورية ترتبط بفلسفة القانون، أي بالمعايير والقواعد الحقوقية والمبادئ، وليست امتدادًا للقضاء العادي.
خلال عضويتنا في المجلس الدستوري في السنوات 2009- 2019، عندما وصلنا الطعن حول قانون الإيجارات السكنية لم نعتمد توجهًا قانونيًا سائدًا في دراسة الموضوع وكأنه يتعلق بإخلاء مأجور! يطرح الطعن مبادئ جوهرية حول حق التملك وحق السكن، وبخاصة حول موضوع حديث نسبيًا وهو الأمان القانوني sécurité juridique، الذي يختلف عن الحقوق المكتسبة. ورد في القرار اللبناني تجديد وتوسع في فلسفة الأمان القانوني من منظور عالمي ومقارن، ثم صدرت دراسة تفصيلية:
A. Messarra, Constitution et sécurité juridique, Annuaire du Conseil Constitutionnel, Liban, vol. 13, 2019-2024, pp. 23-47.
تتطلب عضوية المجلس الدستوري ليس مجرد قانونيين قضاة ومحامين وجامعيين، بل حقوقيين متمرسين في الثقافة الحقوقية. أما قرار المجلس الدستوري رقم 12 / 2026 في 12/10/2026 في 34 صفحة، المتعلق بالعفو العام، كما يرد في مقال لوليد صافي (النهار 13/10/2026)، ملاحظات عديدة وتساؤلات حول نيابة المجلس الدستوري عن القضاء ونيابته عن المجلس التشريعي.
1. التفسير نيابة عن القضاء: يرد في القرار أكثر من 12 مرة وتكرارًا: "تفسيره لجعل أحكامه متوافقة مع الدستور"، و"شرط التقيّد بالتحفظ التفسيري"، "التقّيد بالتحفظات التفسيرية الملزمة"، "تحفظ تفسيري ملزم"، "تفسير معين للبندين 9 و10"، "التقيّد بالتحفظ التفسيري الملزم"، "تحفظ تفسيري ملزم"، "شرط التقّيد بالتحفظ التفسيري الملزم الآتي"، "تحفظات تفسيرية ملزمة"...!
2. الوضوح والمفهومية في القانون: قد يكون انطلق المجلس الدستوري من الاجتهاد الدستوري حول الوضوح والمفهومية clarté et intelligibilité de la loi. لكن هذا الشرط في العدالة الدستورية عالميًا يقتصر على حالات استعمال تعبير يفتقر إلى المدلول الحقوقي، أو يشمل التبويب بشكل يثير الالتباس أو التناقض ويقتصر على الصياغة القانونية légistique. لا يشمل المبدأ مضمون المواد التي قد تستدعي بطبيعتها عدة تفسيرات استنادًا إلى الحالات المعروضة على القضاء:
Ludovic Benezech, « L'exigence d'accessibilité et d'intelligibilité de la loi: retour sur vingt ans d'existence », Revue française de droit constitutionnel, 2020/3, no 123,
pp. 541-563.
يرد في ختام القرار توجهات "تفسيرية" ليست من صلاحية العدالة الدستورية. واجب العدالة الدستورية التوسع في القواعد والمبادئ والمعايير في ما يتعلق بالقانون وتطبيقه وفاعليته. قد لا يدرك فكر قانوني سائد أن قرارات العدالة الدستورية هي ذات هدفين متلازمين: هدف حقوقي وهدف ثقافي تربوي في سبيل نشر وتعميم الثقافة الدستورية في المجتمع.
3. ليس بديلا من حق الدفع! قد يقال أن حق الدفع أمام المحاكم بشأن دستورية القوانين في التطبيق هو غير مقرر في لبنان. يطرح دكتور زهير شكر في كتابه: الوسيط في القانون الدستوري (3 أجزاء، دار المنهل، 2019)، إشكالية اشتراط المجلس الدستوري تفسيرًا معينًا أو توجيهًا في تفسير القانون (البند 1602، ص 349). ما يقوله دكتور زهير شكر لا يعني إطلاقًا النيابة عن القضاء، بل إيراد مبادئ عامة ومعايير وقيم ترعى قرار المجلس الدستوري والتفسير القضائي وأي تفسير وتطبيق وتشريع.
4. لا نيابة عن المجلس التشريعي: يُشكل كل نص تشريعي أساسًا كلًا متكاملا ومتناسقًا ومترابطًا في تفسيراته القضائية وتطبيقاته، من دون اختزال جزء منه على حساب أسبابه الموجبة وفاعليته وتكامله. كيف نصف التوجه إلى المجلس النيابي في حذف مادة من قانون يعتبرها القضاء الدستوري مخالفة للدستور؟ هل هذه المادة منفصلة تمامًا عن السياق العام للقانون؟ وماذا سيفعل بعدئذٍ المجلس النيابي؟ هل يعيد صياغة مجمل القانون؟ أو يضع تشريعًا فرعيًا حول المادة فقط التي اعتبرت مخالفة للدستور؟ لا يعني ذلك عدم إشارة العدالة الدستورية إلى بنود مخالفة للدستور، ولكن من خلال مقاربة شمولية للقانون المطعون فيه.
يرتبط قانون العفو بمجمل وأرقى المفاهيم الدستورية حول العدالة والمحاسبة والغفران والأمن القومي والأمن الاجتماعي والسلم الأهلي... لا شيء في القرار حول بعض هذه المبادئ! ربما بسبب تربيتي المدرسية وممارستي مهام عديدة في قلب المجتمع أدرك أن العدالة الدستورية قد تنحرف عن الجوهر القيمي والمبدئي والمعياري وتنساق في تحليلات وتبريرات هي من صلاحية هيئات قضائية وتشريعية.
