ليست كل حرب انتصارًا… وليست كل تسوية ضعفًا

كتب سعد شعنين في موقع mtv:
لطالما ارتبط مفهوم القوة في أذهان الشعوب بقدرة الدول على امتلاك الجيوش والأسلحة وخوض المعارك. غير أن التجارب الحديثة أثبتت أن معيار القوة الحقيقي لم يعد يُقاس بعدد الانتصارات العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية شعبها، والحفاظ على استقرارها، ومنع الحروب قبل وقوعها.
فالحرب ليست هدفًا بحد ذاتها، بل هي في الفكر السياسي آخر الخيارات عندما تستنفد كل الوسائل الأخرى. أما تحويلها إلى خيار دائم، فهو استنزاف للدولة قبل أن يكون استنزافًا للخصوم.
الدول الناجحة لا تبحث عن الحرب لإثبات وجودها، بل تبني عناصر القوة التي تجعل الحرب غير ضرورية. فهي تستثمر في اقتصادها، وتعزز مؤسساتها، وتحصّن جبهتها الداخلية، وتبني شبكة علاقات دولية تتيح لها الدفاع عن مصالحها من موقع القوة السياسية والاقتصادية، لا من خلال ساحات القتال فقط.
ولعل التاريخ الحديث يقدم نماذج كثيرة لدول خرجت من حروب مدمرة، لكنها أدركت أن مستقبلها لا يُبنى على تكرار الصراعات، بل على تجنبها. فاختارت التنمية بدل الدمار، والاستثمار بدل الاستنزاف، والدبلوماسية بدل المواجهة المفتوحة. ولم يُنظر إليها على أنها دول ضعيفة، بل أصبحت من أكثر الدول تأثيرًا واحترامًا في العالم.
وفي المقابل، هناك دول امتلكت ترسانات عسكرية ضخمة، لكنها بقيت غارقة في النزاعات، تستنزف مواردها، وتخسر فرص النمو، وتدفع شعوبها أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها.
إن الحكمة السياسية لا تعني التخلي عن عناصر القوة، بل تعني حسن استخدامها. فامتلاك القدرة على الدفاع عن الوطن ضرورة لا جدال فيها، لكن امتلاك الحكمة التي تمنع الوصول إلى الحرب هو مستوى أعلى من القوة، لأنه يحفظ الأرواح والاقتصاد ومؤسسات الدولة في آن واحد.
واليوم، في منطقة لا تزال تعيش على وقع الأزمات، يصبح هذا المفهوم أكثر إلحاحًا. فكل حرب جديدة لا تعني فقط خسائر عسكرية، بل تعني انهيارًا اقتصاديًا، وهجرة للكفاءات، وتراجعًا للاستثمار، وتعميقًا للانقسامات الداخلية، وهي خسائر قد تحتاج سنوات طويلة لتعويضها.
أما لبنان، الذي دفع عبر تاريخه أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والصراعات، فهو أمام فرصة لإعادة تعريف مفهوم القوة الوطنية. فقوة الدولة لا تُختصر بالسلاح وحده، بل تبدأ بوحدة القرار، وفعالية المؤسسات، واستقلال القضاء، وصلابة الاقتصاد، وثقة المواطن بدولته، وقدرتها على حماية سيادتها ومصالحها عبر مؤسساتها الدستورية.
إن الدول التي تُحسن إدارة الأزمات وتنجح في منع الحروب، لا تُسجل ذلك ضعفًا في تاريخها، بل يُحسب لها إنجازًا استراتيجيًا. فالانتصار الأكبر ليس دائمًا في كسب المعركة، بل في منع وقوعها عندما تكون كلفتها أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه.
لذلك، فإن معيار قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لم يعد عدد الصواريخ التي تطلقها، ولا حجم الدمار الذي تستطيع إحداثه، بل قدرتها على أن يعيش مواطنوها في أمن واستقرار، وأن تنمو اقتصاداتها، وأن يبقى قرارها الوطني محكومًا بالعقل والمصلحة العليا، لا بردود الفعل والانفعالات.
فالدولة القوية ليست تلك التي تخوض أكثر الحروب، بل تلك التي تجعل الحرب الخيار الأخير، وتنجح، كلما أمكن، في ألا تصل إليه.
