مجزرة الصفرا… حين قتل المسيحيون بعضهم بعضاً

كتب كابريال مراد في موقع mtv:

هناك في التاريخ أيام لا ينبغي أن تُنسى، لا لكي نبقى أسرى لها، بل لكي نستخلص منها العبر ونواجهها بشجاعة، فنصالح ذاكرتنا مع الحقيقة، ونصالح حاضرنا مع مستقبلنا. والسابع من تموز 1980 هو أحد تلك الأيام التي حُفرت في الذاكرة اللبنانية بدماء مجزرة الصفرا، التي بقيت جرحاً مفتوحاً في الوجدان المسيحي والوطني.

قبل سنوات، روى لي زميل صحافي أنه كان ضمن المجموعة التي شاركت في الهجوم على الصفرا. كان في السادسة عشرة من عمره فقط. قال إنه خضع مع رفاقه في حزب الكتائب لتدريبات عسكرية استمرت أياماً في إحدى المناطق الجردية في كسروان، من دون أن يعرفوا طبيعة المهمة التي كانوا يستعدون لها. وفي اليوم المحدد، نُقلوا داخل شاحنات إلى المكان المقصود، وما أن فُتحت الأبواب حتى بدأ إطلاق النار والهجوم المباغت. وكانت دقائق كافية لتحويل المنطقة إلى ساحة دامية، سقط فيها العشرات من مقاتلي نمور الأحرار والمدنيين في الصفرا وطبرجا وثكنة عمشيت وكفرياسين.


وفي كتابه Mémoire et Souvenirs، روى الرئيس كميل شمعون: «خلال العام 1980 عشت الحزن الكبير، فالجناح العسكري لحزب الوطنيين الأحرار، الذي قاتل ببسالة ضد الفلسطينيين عام 1976 وضد السوريين عام 1978، انهار قبل التمكن من إنقاذه. هذا الجناح العسكري المدرّب نفسياً وجسدياً لمقاتلة أعداء لبنان، لم يكن مستعداً على الإطلاق لمقاتلة الأشقاء. وتبقى مجزرة السابع من تموز، بعدد الضحايا الذي لا يمكن إحصاؤه، وصمة عار للذين ارتكبوها، وبالنسبة إلينا، تاريخاً مأساوياً مؤلماً».


في الوقائع، حصل تشنج بين الكتائب والأحرار في أكثر من مكان. وعلى الأثر، عُقدت لقاءات سياسية ومحاولات لاحتواء التوتر، أبرزها الاجتماع الذي جمع الرئيس كميل شمعون ورئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل في بكفيا. واتُّفق في الاجتماع على فكّ حالة الاستنفار، على أن يبدأ تنفيذ الاتفاق في الثامن من تموز. إلا أن صبيحة السابع من تموز حملت المفاجأة الدامية، لتدخل الساحة المسيحية واحدة من أكثر محطاتها دموية.


واليوم، وبعد مرور عقود، لا تزال الروايات متباينة. فالكتائب تعتبر أن ما حصل جاء نتيجة تجاوزات أمنية وعسكرية استدعت الحسم. وفي إحدى اللقاءات المصوّرة، قال الرئيس الراحل بشير الجميل: «ما حصل في السابع من تموز كان يجب أن يحصل في اليوم الثاني للحرب، في 14 نيسان 1975، لتكون هناك قيادة واحدة».


أما الأحرار، فيعتبرون أن ما جرى كان عملية غدر هدفت إلى إنهاء نفوذهم العسكري والسياسي، وتكريس سيطرة القوات الصاعدة آنذاك، بما مهّد لاحقاً لصعود بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية.


لكن، مهما اختلفت الروايات، تبقى الحقيقة الأهم أن اللبنانيين كانوا يقتلون بعضهم بعضاً، وأن الدم المسيحي سُفك بأيدٍ مسيحية، كما سُفكت دماء لبنانيين آخرين في محطات الحرب المختلفة. فلا منتصر في حروب البيت الواحد، لأن الجميع يخرج منها خاسراً، ولأن الوطن نفسه يكون الضحية الأولى.


بعد ستة وأربعين عاماً، لا تكمن قيمة استذكار مجزرة الصفرا في إعادة فتح الجراح أو إحياء الانقسامات، بل في مواجهة الحقيقة كما هي، بكل ألمها. فلا دولة تُبنى بالاقتتال الداخلي، ولا شراكة وطنية تستقيم بمنطق الغلبة، ولا مستقبل يُصنع إذا بقيت ذاكرة الحرب أسيرة التبرير بدل الاعتراف.

قد تختلف القراءات السياسية، وقد تبقى لكل فريقٍ روايته، لكن الثابت أن الدم اللبناني الذي سُفك يومها لم يصنع انتصاراً دائماً لأحد، بل ترك خسارة مشتركة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. لذلك، يبقى الدرس الأهم من السابع من تموز أن المصالحة ليست نسياناً، بل شجاعة في الاعتراف، وأن حماية لبنان لا تكون إلا بالدولة ومؤسساتها، وبالإيمان بأن لا سلاح ولا خلاف سياسيّاً يبرران أن يوجَّه السلاح مرة أخرى إلى صدر الشريك في الوطن.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى