ما لا يريده الرئيس عون!

كتب سامر زريق في صحيفة نداء الوطن:

الضغوط هي عصب الحياة السياسية في لبنان، وسبل التعامل معها يختزن سر النجاح أو الفشل. وتاريخنا عبارة عن هندسة دائمة لتيارات الضغط المتعاكسة، بإيقاعات متغيرة بحسب موازين القوى. هذه التقاليد يعرفها كل من دخل جنّة السلطة، ولاسيما أولئك الذين كانوا شركاء في اتخاذ القرار. بينهم المغامر والمقامر، المدافع والمهاجم، ومحترفو الرقص على الوهم، الذين يستسهلون "الجمباز السياسي" في المحطات الانتقالية لإعادة تدوير نفوذهم.

وفيما يبدو لبنان في عين عاصفة إقليمية ودولية، يمكن القول أن رئيس الجمهورية يحاول بناء استراتيجية دفاع عن حدود الدولة بالمعنى السياسي، قوامها مجموعة "لاءات ناعمة"، ترتكز الى الواقعية وإدراك حجم لبنان وحدود قدرته، ومخاطر الإسراف في أحلامٍ، خبر اللبنانيون مرارًا كيف أضحت كوابيس جماعية.

فمن جهة، يعمل "حزب الله" لإستثمار كل ما لديه من إرث السطوة المعنوية للتأثير على تماسك موقف الدولة، ويحاول ارتكاب فوضى محدودة تمنح طهران هامشًا إضافيًا للمناورة. يعلم "الحزب" أن سلاحه انتهت وظيفته، لكن قيمة هذه الورقة ارتفعت في الآونة الخيرة على وقع الاشتباك بين اللاعبين الإقليميين. لذلك رفع سقف خطابه، وراح يطالب بتسليم قرار التفاوض لإيران، في موقف يفتقد إلى الحدود الدنيا من اللياقة الوطنية.

ومن جهة ثانية، رفع البيت الأبيض المسألة اللبنانية إلى رأس أولوياته. لكن ترامب مفاوض قاسٍ، يطرح الصفقة، ويفحص الأرباح، ويترك فسحة زمنية ضيقة أمام الوسطاء والمستفيدين، ليصبح الإنجاز في سبل توسيع الهامش الزمني للعرض. في المقابل، فإن رئيس الجمهورية لا يريد تضييع الفرصة الأميركية، ولا اللقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، ولا أن يكون لبنان ضيف شرف في حفلة صورية، ولا أن يغرق في دوامة مفاوضات طويلة تفقد ترامب اهتمامه، في ظل أن البديل هو العقاب أو الإهمال.

يعرف عون أن شريحة واسعة في الداخل تحثه على مصافحة نتنياهو، والذهاب إلى تل أبيب لتوقيع اتفاقيات تعاون، لكنه يعرف أيضًا أن هذه الاندفاعة محكوم عليها بالفشل في ظل اختلال موازين القوى. لذلك فهو حريص على عدم منح نتنياهو أي مسوّغ لكسب تفويض بحرب جديدة، أو سلامًا على طريقته، يدخل لبنان في دائرة النفوذ السياسي الإسرائيلي، ويحوله إلى جسر عبور نحو سوريا ودول المنطقة، من ضمن رؤيته لإعادة صياغة خرائط النفوذ، وتثبيت نفسه لاعبا حاكما يحدد الأدوار ويصيغ المعادلات.

ضمن هذه "اللاءات" الكثيرة، تتحرّك بعبدا بحذر شديد. توسع دائرة المشاورات بعيدًا من الأضواء، وتنكب دوائرها على متابعة تفاصيل المفاوضات وإعداد الدراسات اللازمة. وتسعى من خلال مبدأ "تصفير الأعداء" الى بناء التفاهمات والتموضع ضمن شبكة علاقات أكثر توازنًا، حيث تعمل على إبرام تسوية مع إسرائيل، وإعادة صياغة علاقات ندية مع سوريا، وتعزيز العلاقات بالدول العربية، ولاسيما السعودية، والحفاظ على إطار الشراكات الأوروبية.

عمليًا، يريد رئيس الجمهورية الخروج من منطق "إدارة الأزمات" كفاعل ثانوي، نحو إدارة الدولة، حتى ولو كان دورها محدودًا. ضمن هذا المنطق يتعامل مع "حزب الله" باعتباره قوة ضعفت، لكنها لا تزال تملك مفتاح تخريب أي تسوية. فيتبنى سياسة مواجهة تتوكأ فقه الواقع وليس مبضع الجراح، وترتكز على التفكيك المتدرج لمصادر قوته، بموازاة ترميم الشرعية المؤسساتية، كي تملأ فراغ النفوذ على حساب أي قوة موازية جديدة، كما حصل بعد "منظمة التحرير".

تعتبر بعبدا أن الدولة حققت خرقًا ثمينًا بالجلوس إلى الطاولة، وترى أن التقدّم ببطء في المسارات الوعرة أنجع من التسرع في خطوات يمكن أن تزل فيها الأقدام نحو هاوية، تدفع لبنان لأن يكون جائزة يتنافس عليها اللاعبون، أو تمنح لأحدهم كما حصل مع سوريا الأسد ثم إيران. وبالتالي ما من بديل عن استراتيجية "خطوة – خطوة"، في التفاوض مع إسرائيل، كما في مواجهة "الحزب"، فضلًا عن أهمية الدور السعودي في تذليل العقبات والضغط على إيران، ضمن محادثتهما لإكمال عملية الاندماج السياسي لـ "الحزب" التي وافقت عليها طهران. ليبقى التحدي هو في متانة كل خطوة لبنانية وموثوقيتها. ضمن مسار سقفه نقل لبنان من ساحة إلى الحد الأدنى لمفهوم الدولة.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى