عسكرياً وفي لبنان.. ماذا كشفت عمليات إسرائيل؟

مع استمرار تمسك الجيش الإسرائيلي بالمناطق العازلة التي بات يُطلق عليها في الأوساط الإسرائيلية اسم "المناطق الصفراء" في غزة ولبنان وسوريا، تتزايد المخاوف داخل إسرائيل من تحول هذه المناطق إلى ساحات مفتوحة لحروب استنزاف طويلة الأمد.
ورغم أن تداعيات أحداث السابع من تشرين الأول 2023 دفعت باتجاه بناء عمق دفاعي إضافي، فإن تجارب الماضي تشير إلى أن الحروب الحدودية الممتدة قد تسهم في تعزيز قدرات الخصوم سياسياً وعسكرياً.
وفي هذا السياق، رأى القائد السابق في قسم العمليات بالجيش الإسرائيلي ورئيس برنامج الدراسات العسكرية في مركز بيغن-السادات بجامعة بار إيلان، العميد عيران أورتال، أن الحرب مع إيران شهدت تحولاً حاداً، موضحاً أنَّ إيران، رغم ما تعرضت له من هزيمة عسكرية، تمكنت من فرض شروطها على الولايات المتحدة، كما نجحت في دفع إسرائيل إلى وقف إطلاق النار في لبنان، الذي تحولت الحرب فيه إلى نقطة ضغط على تل أبيب.
وأشار أورتال، في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن الأزمة أعمق مما يظهر إلى العلن، إذ إن إسرائيل، وبعد ما يقارب ثلاث سنوات من القتال، تجد نفسها عالقة على ثلاث جبهات حدودية مفتوحة ودامية، في وقت تواجه فيه عزلة متزايدة على الساحة الدولية.
وذكر أورتال أنّ إيران، التي كانت على وشك الانهيار، خرجت من الحرب أقوى وأكثر ثراءً، فيما بدأت مؤشرات تصعيد جديدة تلوح من تركيا، التي باتت تمتلك، بحسب وصفه، حليفاً على حدود إسرائيل في سوريا.
واعتبر أن التطور الأخطر يتمثل في التحولات داخل الإدارة الأميركية، لافتاً إلى أن تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بشأن اعتماد إسرائيل على السلاح الأميركي توحي بأن مرحلة "العلاقات الخاصة" بين واشنطن وتل أبيب لم تعد كما كانت في السابق.
وأكد أن إسرائيل التي كانت تُقدَّم باعتبارها "قوة إقليمية" قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وفق توصيف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تحولت إلى هدف سهل نسبياً، وأصبح حقها في الدفاع عن النفس موضع نقاش حتى داخل الولايات المتحدة.
وذكر أنّ الحديث عن إمكانية كبح تحركاتها من خلال الحد من إمدادات السلاح لا يعكس أزمة عابرة، بل يشير إلى أن الإدارات الأميركية المقبلة قد تكون أقل التزاماً بالعلاقة الخاصة مع إسرائيل، ما يضعها أمام تحديات استراتيجية إضافية، وقد ينعكس أيضاً على مستقبل الاتفاقات الإبراهيمية.
وانتقل الكاتب إلى ما تصفه إسرائيل بـ"المناطق العازلة الصفراء" المنتشرة في غزة ولبنان وسوريا، محذراً من احتمال تحولها إلى ساحات استنزاف مفتوحة، مشيراً إلى أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وغزة في مراحل سابقة لم يكن قراراً سياسياً فقط، بل ارتبط أيضاً باعتبارات عسكرية.
ولفت إلى أن الجيش الإسرائيلي أظهر خلال الحربين في غزة ولبنان قوة نارية كبيرة، استندت إلى استخدام مكثف للقوة الجوية، يقابله تقدم بطيء وحذر للقوات البرية.
وأوضح أن هذا الأسلوب القتالي ينطوي على عيوب استراتيجية متعددة، أولها أنه يمنح الخصم الوقت الكافي للانسحاب وإعادة تنظيم صفوفه والحفاظ على بنيته العسكرية.
كذلك، قال الكاتب أنه رغم الخسائر الكبيرة التي يتكبدها الخصوم، فإن الجيش الإسرائيلي يتجنب في معظم الأحيان تنفيذ عمليات تطويق سريعة وعميقة يمكن أن تؤدي إلى انهيار العدو أو تدميره بشكل كامل، ما يسمح له بالاستمرار خارج خطوط المواجهة المباشرة.
وذكر التقرير أنّ العيب الاستراتيجي الثاني يتمثل في أن غياب الملاحقة السريعة للعدو يؤدي إلى إطالة أمد الحروب، مشيراً إلى أن خمس فرق إسرائيلية على الأقل عملت في جنوب لبنان، لكنها ركزت على عمليات تطهير بطيئة ومنهجية للقرى الحدودية وتدمير البنية التحتية التابعة للخصم.
مع هذا، يقول التقرير إنه بينما تعرض حزب الله لضربات قاسية، إلا أنه تمكن من الصمود، ما أدى إلى استمرار الحرب لفترة طويلة، معتبراً أن ذلك لا يزيد فرص الدولة اللبنانية في إعادة تنظيم صفوفها وفرض سيادتها ونزع السلاح فحسب، بل قد يؤدي إلى تراجع هذه الفرص أيضاً.
أما العيب الثالث، وفق أورتال، فيتمثل في أن القوات البرية، رغم أنها الأقل تطوراً داخل الجيش الإسرائيلي، ما زالت تشكل العنصر الحاسم في السيطرة على الأرض والاحتفاظ بها.
وأوضح أن ذلك يتطلب أعداداً كبيرة من الجنود والعتاد، وهو ما يصعب على جيش يعتمد بشكل كبير على قوات الاحتياط تحمله لفترات طويلة.
وأشار إلى أن العيب الرابع يرتبط بالكلفة الهائلة للحفاظ على مستوى مرتفع من القوة النارية، وما يرافق ذلك من زيادة الاعتماد الاستراتيجي على أطراف خارجية، وأضاف: "الحرب الحالية تتطلب كميات ضخمة من الذخائر الجوية والجرافات الثقيلة والصواريخ الاعتراضية، وهي معدات لا تملك إسرائيل القدرة الصناعية أو الاقتصادية الكافية لإنتاجها بالكميات المطلوبة، في وقت تتصاعد فيه التهديدات بوقف إمداداتها خلال فترات الحرب".
وأوضح أن عقيدة دافيد بن غوريون الأمنية لم تدعُ من قبيل الصدفة إلى خوض حروب قصيرة تركز على إزالة التهديدات المباشرة عسكرياً، بدلاً من محاولة إعادة تشكيل المنطقة سياسياً، لافتاً إلى أن بن غوريون أدرك مبكراً حجم الاختلال الاستراتيجي الذي تعانيه إسرائيل على صعيد الاقتصاد والقوى البشرية والنفوذ السياسي، فضلاً عن اعتمادها الوجودي على قوى داعمة من الخارج.
ولهذا السبب، بُني الجيش الإسرائيلي على أساس التفوق النوعي لا العددي، كما أُنشئت الصناعات الدفاعية بهدف إنتاج وتصدير أسلحة متطورة تعتمد بالدرجة الأولى على القدرات الذاتية.
وختم أورتال بالإشارة إلى أن إسرائيل، رغم أن عدد سكانها بلغ اليوم نحو عشرة ملايين نسمة، ما تزال أقلية سكانية صغيرة في محيطها الإقليمي. ورأى أنها تستطيع أن تكون شريكاً لدول المنطقة، لكنها ليست قوة قادرة على التأثير السياسي الحاسم فيها.
ودعا إلى العودة إلى المبادئ التي أرساها بن غوريون، وإعادة النظر في أساليب القتال الحالية، والعمل على تجنيب إسرائيل الوقوع في فخ حروب الاستنزاف التي تستنزف قدراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وتزيد من اعتمادها على المساعدات والواردات الأمنية، مع ضرورة إعادة ترسيخ مبدأ المعاملة بالمثل في تحالفها مع الولايات المتحدة استناداً إلى قاعدة صناعية وأمنية وتكنولوجية متطورة.
