الراعي ترأس قداس خميس الاسرار: لترك ممرّات إنسانية للصامدين في بلداتهم الجنوبية

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذبيحة الإلهية ورتبة الغسل عشية خميس الأسرار في بازليك سيدة لبنان - حريصا، عاونه فيها المطارنة بولس الصياح، حنا علوان، انطوان عوكر، الياس نصار،أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، رئيس مزار سيدة لبنان_حريصا الأب خليل علوان، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من الفعاليات والمؤمنين.
بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "قام عن العشاء وغسل أرجل تلاميذه"، قال فيها: "نلتقي في هذا المساء المبارك، للاحتفال بخميس الأسرار، الليلة التي فيها كشف يسوع عمق محبته، وأعطى ذاته للبشرية، وأسس سرّ القربان وسرّ الكهنوت، ومعهما جميع الأسرار التي بها تحيا الكنيسة. إنها ليلة العطاء الكامل، ليلة الحب الذي لا حدود له، ليلة الخدمة والتواضع، ليلة الدخول في سرّ الفداء.
سرّ القربان وسرّ الكهنوت هما سرّا الخدمة، ومن خلالهما تنبثق كل الأسرار الأخرى: المعمودية، الميرون، التوبة، مسحة المرضى، والزواج. فبدون سرّ القربان والكهنوت، لا تقوم الكنيسة ولا تُعاش الأسرار، لأن القربان هو قلبها النابض، والكهنوت هو خدمتها المستمرة عبر الزمن.
وتابع: "في خميس الأسرار، نفهم أن القربان هو أكثر من سرّ، إنه عهد جديد بين الله والإنسان،عهد يقوم على العطاء، وعلى البذل، وعلى الحب الذي يصل إلى حدّ عطاء الذات. فكما يُكسر الخبز، هكذا يُكسر جسد المسيح من أجلنا، وكما أُعطيت الكأس، هكذا سُفك دمه من أجل خلاص العالم.
وقال: "في هذه الليلة، تدعونا الكنيسة إلى زيارة سبع كنائس، وهذا التقليد يرتبط بالأسرار السبعة، لكنه في عمقه هو دعوة إلى السهر مع يسوع في بستان الزيتون ليلة آلامه. هناك قال لتلاميذه: "اسهروا وصلوا، لئلا تدخلوا في تجربة". لكنه وجدهم نياماً ، وكان قلبه مثقلاً، وصلى قائلاً: "يا أبتِ، إن أمكن، فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن لا كما أنا اريد، بل كما تريد أنت".
زيارة السبع كنائس هي استجابة لدعوة يسوع، هي سهر معه، مرافقة له في ألمه، وقفة حب وصلاة، ونقول له: نحن هنا معك، لن نتركك. إنها دعوة لأن نبقى معه في ساعة الضيق، أن نكون أوفياء، أن نرافقه في درب الصليب. وهكذا تصبح هذه الزيارة أكثر من تقليد، تصبح علاقة حيّة مع يسوع، وسهرًا روحيًا يعمّق إيماننا، ويجعلنا أقرب إلى قلبه، من خلال قربنا وخدمتنا لكل متألم في جسده أو نفسه أو روحه".
وتابع": "إن سرّ القربان، الذي يوحّدنا في جسد واحد، يضعنا أمام مسؤولية الخروج من الانقسامات، وبناء وحدة حقيقية لا تقوم على المصالح بل على الخير العام. فكما لا ينقسم جسد المسيح، كذلك لا يليق بنا أن نقبل بانقسام مجتمعنا أو تشرذم وطننا. فالوطن لا يُبنى بالسيطرة بل بالخدمة، لا بالتسلّط بل بالتواضع. إن ما نعيشه من توترات واعتداءات يكشف حاجتنا العميقة إلى هذه الروح: روح الخدمة الصادقة التي تضع الإنسان وكرامته في المرتبة الأولى، والوطن اللبناني في أولى سيادته ونموّه وحمايته.
وفي وسط كل ما يحدث من قتل وتدمير وتشريد وصمود، يبقى صوت خميس الأسرار واضحًا وقويًا: وهو أن نتحول. كما تحوّل الخبز إلى جسد، والخمر إلى دم، نحن مدعوون أن نحوّل واقعنا من خوف إلى رجاء، ومن انقسام إلى وحدة، عملًا بوصية يسوع: أن نحب، ونخدم، ونبقى واحدًا. وهكذا يصبح خميس الأسرار دعوة وطنية وروحية عميقة، دعوة إلى بناء إنسان جديد، ومن خلاله وطن جديد، قائم على المحبة والخدمة والأمانة". وختم: "أمام سرّ القربان الذي يُصمد كل الليل لزيارة المؤمنين وعبادتهم، نصلّي إلى المسيح الرب كي يسكب المحبة في القلوب، وينقّيها من كل بغض وحقد، ويحوّل كل إنسان إلى شخص محب وبناء للوحدة، ويرمي السلاح، ويعمل من أجل السلام. فالمسيح سلامنا".

