هل اقتربت ساعة الصفر في طهران؟

لم تعد الأزمة الإيرانية تُختصر بالعقوبات الأميركية أو بالمفاوضات حول البرنامج النووي، بل أصبحت أزمة بنية حكم تتصارع داخلها رؤيتان متناقضتان لمستقبل الجمهورية الإسلامية. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد هل ستوقّع إيران اتفاقاً؟ بل من يملك حق اتخاذ القرار داخل إيران، وأي تيار سينجح في فرض خياره؟
فالمتابعون للشأن الإيراني يجمعون على أن المشهد الداخلي يشهد انقساماً عمودياً غير مسبوق داخل مراكز القرار، بين تيار يرى أن الأولوية أصبحت لإنقاذ الاقتصاد الإيراني ورفع العزلة الدولية، وتيار آخر يعتبر أن أي تنازل في الملف النووي أو في النفوذ الإقليمي سيكون بداية تراجع المشروع الذي تأسست عليه الجمهورية الإسلامية عام 1979.
هذا الانقسام لا يظهر فقط في التصريحات المتناقضة، بل في طريقة إدارة الملفات الحساسة، ففي الوقت الذي تتحدث فيه شخصيات رسمية عن فرص التهدئة، تصدر مواقف أخرى أكثر تشدداً، فيما تستمر التحركات العسكرية والرسائل الأمنية في الخليج، وكأن الدولة تتحدث بلغتين في وقت واحد.
ولعل ما شهده مضيق هرمز أخيراً خير دليل على ذلك. فالهجمات التي استهدفت حركة الملاحة، وما تبعها من استنفار دولي ومطالب أميركية بضمان أمن الممرات البحرية، أعادت التذكير بأن أي اضطراب في الخليج لا يبقى حدثاً محلياً، بل يتحول مباشرة إلى قضية دولية تمس أمن الطاقة العالمي. ويرى عدد من المراقبين أن هذه التطورات قد تعكس أيضاً تبايناً داخل مراكز القرار الإيرانية حول كيفية إدارة الصراع مع الغرب: هل يكون عبر التفاوض، أم عبر التصعيد لتحسين شروط التفاوض؟
لكن الأخطر من ذلك أن أي تسوية مقبلة لن تكون مجرد اتفاق نووي أو رفع للعقوبات، بل ستفرض إعادة توزيع لموازين القوة داخل النظام الإيراني نفسه ، فالتنازل في بعض الملفات قد يعني تراجع نفوذ مؤسسات نافذة، فيما قد يعزز موقع المؤسسات المدنية والحكومة، وهو ما يفسر حجم التباين في المواقف.
ومن هنا، يعتقد كثير من المحللين أن الصراع الحقيقي لم يعد يدور بين واشنطن وطهران فقط، بل داخل طهران نفسها. فالولايات المتحدة والقوى الغربية تدرك أن أي اتفاق لن يكون قابلاً للحياة إذا لم يحظَ بقبول حقيقي داخل مؤسسات القرار الإيرانية، فيما تدرك الأجنحة الإيرانية أن أي قرار سيتخذ اليوم سيرسم شكل النظام لعقود مقبلة.
أما إقليمياً، فإن التداعيات ستكون عميقة. فإيران التي بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من النفوذ في لبنان والعراق وسوريا واليمن تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة. فإذا انتصر تيار التسوية، فمن المرجح أن تتجه السياسة الإيرانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، ما قد ينعكس تدريجياً على مستوى الانخراط في ملفات المنطقة. أما إذا غلب تيار المواجهة، فقد نشهد جولات جديدة من التصعيد، مع ما تحمله من مخاطر على الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، لا يستبعد بعض المتابعين أن تكون الساحات العربية، وفي مقدمتها لبنان والعراق، أول الأماكن التي ستظهر فيها نتائج أي تحول في القرار الإيراني، سواء عبر تراجع مستوى الدعم للحلفاء، أو عبر إعادة صياغة طبيعة العلاقات معهم بما يتلاءم مع أولويات المرحلة الجديدة.
ولذلك، فإن “ساعة الصفر” قد لا تكون إعلان حرب، ولا توقيع اتفاق سلام، بل لحظة حسم داخل النظام الإيراني نفسه. إنها اللحظة التي ستحدد أي إيران ستخرج إلى المنطقة: إيران الثورة التي تجعل المواجهة عنواناً دائماً لسياستها، أم إيران الدولة التي تعطي الأولوية للاستقرار والاقتصاد وإعادة الاندماج في النظام الدولي.
وفي كل الأحوال، تبدو حقيقة واحدة تفرض نفسها: إيران التي ستخرج من هذه المرحلة لن تكون، على الأرجح، هي إيران التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية. فحجم الضغوط الخارجية، وعمق التحديات الاقتصادية، واتساع الانقسام داخل مؤسسات الحكم، كلها عوامل تشير إلى أن مرحلة إعادة التشكل قد بدأت بالفعل، وأن نتائجها لن تتوقف عند حدود إيران، بل ستعيد رسم توازنات المنطقة بأسرها، من الخليج إلى شرق المتوسط، وستفرض على جميع القوى الإقليمية التكيف مع واقع سياسي جديد.
سعد شعنين
