تقدير موقف الطاقة في لبنان… بين التجاذبات السياسية وانهيار منظومة الرقابة

لندن - مركز رصد للدارسات السياسية والشرق أوسطية:


تطرح أزمة قطاع الكهرباء في لبنان مجددًا تساؤلات عميقة حول فعالية منظومة الرقابة الحكومية، وكيف تحولت إلى أحد أبرز نقاط الضعف في إدارة ملف الطاقة.


ينصّ القانون اللبناني بوضوح على ضرورة إخضاع أي شحنة وقود واردة إلى البلاد لفحوصات مخبرية إلزامية حيث تقع مسؤولية الإشراف عليها على عاتق وزارة الطاقة، بما يضمن الحد الأدنى من الشفافية وحماية المصلحة العامة. إلا أن تقارير ومتابعات لواقع القطاع تشير إلى فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، حيث تبدو المنظومة، وفق توصيفات عدة، محكمة نظريًا لكنها معطلة عمليًا.


وتشير ورقة تقدير موقف صادرة عن مركز رصد للدراسات الاستراتيجية في لندن (27 أبريل) إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود لتشغيل محطات الإنتاج، وهو ما كلف الدولة خسائر ضخمة، إذ يقدّر البنك الدولي أن نحو نصف الدين العام اللبناني، أي ما يقارب 40 مليار دولار، مرتبط بقطاع الكهرباء. ورغم ذلك، لم تؤدِ هذه النفقات إلى بناء قطاع مستقر، بل إلى واقع من الانهيار المزمن، يتمثل في تقنين كهربائي يصل إلى 22 ساعة يوميًا، مقابل هدر مالي واسع دون نتائج ملموسة.


وتستعرض الورقة أمثلة سابقة، من بينها شحنة الوقود التي وصلت عبر الناقلة “BALTIC” عام 2019، والتي أظهرت الفحوصات المخبرية أنها لا تطابق المواصفات القانونية بسبب ارتفاع نسبة الكبريت. ولم تكن تلك الحالة معزولة، إذ كشفت تحقيقات لاحقة عن شحنات أخرى بالمواصفات ذاتها، ما يشير إلى نمط متكرر وليس خللاً فرديًا.
وبحلول يوليو 2020، أكّد قرار قضائي أن المشكلة لم تكن استثناءً، بل ممارسة متكررة، ما يعكس خللاً بنيويًا في آليات الرقابة وليس مجرد خطأ إداري.

اختراق منظومة الرقابة
تخلص الورقة إلى أن منظومة الفحوصات المخبرية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأساسي للدولة، تعرضت لاختراق خطير، وفق ما تشير إليه شهادات ووثائق قضائية تحدثت عن شبهات تتعلق بتبادل منافع وهدايا مقابل نتائج مخبرية معدّلة، وهو ما سبق أن أشار إليه تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في يوليو 2021.
كما تورد تقارير أخرى أسماء مرتبطة بسوق استيراد الوقود، من بينها شركات تجارية كبرى ووسطاء، ضمن شبكة معقدة من العلاقات التجارية، حيث أُشير إلى دور شركات مثل BB Energy ضمن سلسلة التوريد، في سياق تنظيم الاستيراد عبر عقود متعددة الأطراف مع جهات مختلفة، بينها شركة سوناطراك الجزائرية.
وتوضح الورقة أن هذا الهيكل المعقد لم يأتِ مصادفة، بل أدى إلى تشتيت المسؤولية بين أكثر من 20 جهة، الأمر الذي جعل عملية المحاسبة شبه مستحيلة، مع تداخل مصالح تجارية وسياسية وإدارية.

سلسلة التوريد
بحسب ما يورده التحليل في ورقة تقدير الموقف، لم تكن السيطرة على سلسلة التوريد واضحة أو محصورة بجهة واحدة، بل توزعت بين شركات استيراد ووسطاء وجهات إشراف، حيث تشير بعض المعطيات إلى تورط أطراف متعددة في عمليات تسليم ومراقبة الشحنات، إضافة إلى شبهات تتعلق بتجاوزات في مطابقة المواصفات.
ومع هذا التشابك، لم تؤدِ كثرة الأطراف إلى تعزيز الرقابة، بل إلى إضعافها، بحيث أصبح تحديد المسؤولية الفعلية أمرًا بالغ الصعوبة.
ورغم فتح تحقيقات منذ عام 2019 وإصدار مذكرات توقيف، إلا أن معظمها لم يُنفذ فعليًا، ما أبقى القضية عالقة في مسار قضائي متعثر. وتشير الورقة إلى أن بعض الأطراف الرئيسية لم تواجه اتهامات مباشرة في مراحل مبكرة، رغم ورود أسمائها في سياق النقاشات والتحقيقات.
كما تسجل فترات طويلة من التعطيل القضائي وتأجيل الإجراءات، ما يعكس، بحسب التحليل، أن المشكلة لا تتعلق فقط بالبطء الإداري، بل بعوائق أعمق مرتبطة بآليات عمل النظام نفسه.

كلفة اقتصادية وتشغيلية متصاعدة
على المستوى التقني، أدت نوعية الوقود غير المطابقة إلى تآكل سريع في محطات التوليد، وانخفاض في الكفاءة التشغيلية، وارتفاع في كلفة الصيانة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على استقرار الشبكة الكهربائية.
وتشير الورقة إلى أن بعض المحطات الحديثة خرجت من الخدمة خلال فترة وجيزة، ليس بسبب أعطال تقنية، بل نتيجة تدنّي جودة الوقود المستخدم، وهو ما يعكس أثرًا تراكميًا لأزمة مزمنة.

الاستنتاج البحثي
تخلص الورقة إلى أن أزمة الوقود في لبنان ليست حادثة معزولة، بل هي نتيجة مباشرة لبنية نظامية معقدة سمحت بتراجع الرقابة وتداخل المصالح وتفكك المسؤولية.
ورغم وجود الأطر القانونية، فإن الإشكال الرئيس يتمثل في ضعف التنفيذ وغياب المحاسبة الفعلية، ما أظهر القطاع كحالة لأزمة حكم وإدارة تتجاوز إطار أزمة الطاقة.


ويبقى السؤال المفتوح الذي تطرحه الورقة:
هل كان غياب المحاسبة في بعض من الأنظمة اللبنانية هو نتيجة خلل في النظام… أم جزءًا من بنيته نفسها؟

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى