اشتباك في اللجان المشتركة على تفاصيل العفو

كتب غابريال مراد في صحيفة نداء الوطن:
ارتفع الصوت أمس في جلسة اللجان المشتركة في انعكاس متوقع لحماوة ملف العفو. فالمسألة ليست مجرّد تعديلات قانونية وتشريعية، بل هي سعي من أطراف عدّة إلى تثمير الملف في سياق سياسي وانتخابي.
وهكذا، تحوّلت جلسة الأمس، ساحة مواجهة سياسية مفتوحة، بعدما شهدت إشكالا حادًا بلغ حدّ انسحاب وزير الدفاع اللواء ميشال منسى قائلًا "أنا فالل يعملوا اللّي بدّن ياه". في مشهد صاخب عكس عمق الانقسام حول أحد أكثر بنود القانون حساسية. قبل أن يعود منسى ليؤكد أن "كله خير".
وقد انطلقت شرارة التوتر من بند استثناء جرائم تمويل الإرهاب من العفو. إذ تقدّم ممثلو الجيش بمطالبة واضحة لسدّ الثغرات القانونية ومنع أي التفاف قد يتيح إدخال متورّطين بجرائم خطيرة تحت عناوين ملتبسة، بعدما كانت الصيغة المطروحة تستثني أساسًا الجرائم الواردة في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
هذا الطرح قوبل باعتراض سياسيّ حادّ، تقدّمه النائب نبيل بدر، الذي اتهم وزير الدفاع والجيش بـ "التدخل في عمل السلطة التشريعية"، ما أشعل سجالا واسعًا داخل الجلسة وأدّى إلى انفلات النقاش وخروجه عن إطاره الطبيعي.
وبحسب المعطيات، فإن توسيع نطاق الاستثناء كان سيؤدّي عمليًا إلى تضييق دائرة المستفيدين من العفو، ليطاول شريحة واسعة من الملاحقين في ملفات ذات طابع إسلامي، الأمر الذي يفسّر حدّة الاعتراضات وارتفاع سقف الخطاب إلى مستويات غير مسبوقة.
وبحسب معلومات "نداء الوطن"، لم يكن موقف الجيش اللبناني سياسيًا، بل انطلق من اعتبارات قانونية وأمنية، في إطار حماية الأمن القومي ومنع تمرير نصوص قد تتحوّل إلى مظلة لتبييض جرائم خطيرة. غير أن هذا المنطق اصطدم، بحسب أكثر من نائب مشارك في الجلسة، بحسابات سياسية ضيّقة، طغت على مجريات الجلسة، وحوّلت النقاش من مقاربة قانونية إلى مواجهة شعبوية، ومحاولة للاستثمار لاحقًا في صناديق الاقتراع.
مقاربات متباينة
وبحسب الوقائع، فجلسات متتالية لمناقشة اقتراح العفو لم تنجح حتى الآن في ردم الهوّة بين الكتل، في مشهد يعكس بوضوح طبيعة "اللعبة السياسية"، حيث يشدّ كل طرف الملف باتجاهه، ساعيًا إلى تحقيق "مكاسب شعبية". والسعي لإنهاء الملف من خلال جلستين، قبل الظهر وبعده اليوم.
عمليًا، توزعت مقاربات الكتل وفق أولوياتها: نواب سنّة وضعوا ملف الموقوفين الإسلاميين في صلب النقاش، باعتباره قضية ذات بعد شعبي وإنساني. كتل مسيحية، دفعت باتجاه إعادة طرح ملف المبعدين إلى إسرائيل.
في المقابل، خاض "الثنائي الشيعي" في تفاصيل جرائم المخدّرات، مع إبداء مرونة حيال بعض الحالات المرتبطة بزراعة الحشيشة، مقابل التشدّد مع كبار التجار.
وبعد ما حصل، يؤكد المواكبون للنقاشات أن العفو سيقرّ، ليبقى السؤال بأي صيغة؟ ففي موازاة النقاشات المحتدمة داخل اللجان النيابية المشتركة، يُرتقب أن يفتح إقرار الصيغة النهائية لاقتراح قانون العفو العام الباب أمام الدعوة إلى جلسة تشريعية حاسمة في مجلس النواب بعد عشرة أيام. جلسة يعوَّل عليها لتكريس "تسوية تشريعية قانونية".
وبالتوازي مع المسار التشريعي، يبرز خط مواز لا يقلّ أهمية، يتمثل في مساع سياسية لاحتواء التوتر ومنع نقل الاشتباك الكلامي المرتبط بالحرب الدائرة في الجنوب إلى داخل قبة البرلمان. إذ تخشى مراجع نيابية أن تتحوّل الجلسة المرتقبة إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية ورفع السقوف، بما يهدّد بإفشال التسوية التشريعية أو تأجيلها.
وفي هذا السياق، ستتكثف الاتصالات بين رؤساء الكتل وإدارة المجلس لضبط الإيقاع، تحت عنوان واضح: فصل المسار التشريعي عن السجال السياسي المرتبط بالحرب، وتفادي انفجار "قنبلة سياسية" تحت القبة قد تطيح بما تحقق من تقدّم.
