ذميّو "حزب الله".. "مسيحيون" بلا ذاكرة

كتب جو حمورة في صحيفة نداء الوطن:

يمكن تبرير الاختلاف في السياسة، ويمكن فهم التنوّع، لكن ما يصعب تبريره هو الانفصال الكامل عن الجذور. أن يقف الإنسان خارج تاريخه ووجدان بيئته، ثم يتحدث من داخلها أو باسمها. هنا لا نكون أمام رأي آخر، بل أمام قطيعة صريحة مع مسار طويل من التجربة السياسية والفكرية التي صاغت هوية جماعة بأكملها.

داخل البيئة المسيحية في لبنان، برزت في السنوات الأخيرة فئة من إعلاميين ورياضيين وناشطين لا يكتفون بمخالفة المزاج المسيحي العام، بل يذهبون إلى حد تبني خطاب يناقضه بالكامل. أسماء مثل غسان سركيس، رندلى جبور، راشيل كرم، روني ألفا، وغسان سعود، ليست مجرد حالات فردية، بل تعبير عن نمط متكرر، مسيحي ينفصل عن سياقه وذاكرته ومجتمعه وجلده، ليعيد تعريف نفسه ضمن مشروع لا يشبهه.

اللافت أن كثر من هؤلاء مروا، أو لا يزالون، ضمن "التيار الوطني الحر"، لكأن "التيار" تحول إلى مصنع للذميين المسيحيين الملحقين "بحزب الله". لكن وجودهم في "التيار" لم يكن يوماً دليلاً على انتماء فعلي، بقدر ما كان انعكاساً لمرحلة سياسية اتسمت بتقاطعات مع "حزب الله". بمعنى آخر، لم يدخلوا هذا "التيار" لأنهم آمنوا بخطه التاريخي أو بأفكاره، بل لأنه شكل لهم معبراً مريحاً نحو تموضع أعمق في محور آخر.

ليس الأمر هنا مجرد تأييد لـ"حزب الله"، بل اندماج في لغته، في منطقه، في أولوياته، حتى في انفعالاته. يتحول خطابهم إلى استنساخ رديء. نفس المفردات، نفس التبريرات، نفس العداء لأي صوت يعارض هذا المسار. كأن المسألة لم تعد خياراً سياسياً، بل هوية بديلة تُلبس فوق الهوية الأصلية.

حين يقول غسان سركيس إنه مستعد لحمل السلاح والذهاب إلى بنت جبيل للقتال والاستشهاد مع "حزب الله"، فنحن لا نكون أمام موقف سياسي عابر، بل أمام إعلان ولاء يتجاوز الدولة والمجتمع والبيئة المسيحية معاً. هذا النوع من الخطاب لا يُعبّر عن "تنوع" داخل البيئة المسيحية، بل عن خروج كامل منها، وعن تموضع في فضاء آخر له منطقه الخاص وقواعده الخاصة.

ما الذي يجمع بين هذه النماذج من الإعلاميين والناشطين؟ ليس الموقف السياسي فقط، ولا شعور بكره الذات فقط، بل نوع من الإعجاب بالقوة، وبالتماسك داخل البيئة الشيعية، وبإسلوب فرض الإرادة السياسية داخلها. هو انبهار بنموذج صلب، يُقابله شعور ضمني بضعف البيئة الأصلية أو تشتتها.

هذه ليست "مسيحية سياسية" بوجه آخر، ولا قراءة مختلفة لدور المسيحيين في لبنان. هذه حالة "ذمية سياسية" بالمعنى الحديث. تبعية طوعية، حيث يتنازل الفرد عن استقلاله الفكري والوجداني والجماعي مقابل الانتماء إلى قوة يعتبرها أقدر على الحسم. الفارق أن الذمي التقليدي كان محكوم، تاريخياً، بظروف قاهرة، أما هنا فالأمر خيار، خيار واعٍ بالانخراط في مشروع لا يمت إلى جذوره بصلة.

الأخطر أن هؤلاء لا يكتفون بالتموضع، بل يتحولون إلى مهاجمين لبيئتهم الأصلية. يسخرون من هواجسها، يستخفون بتاريخها، ويصورون أي اعتراض كأنه جهل أو انعزال. وكأن المطلوب من المسيحي أن يتخلى عن كل ما راكمه من هوية، ليحظى بقبول في منظومة لا تعترف به إلا بقدر ما يذوب فيها.

بالحقيقة، ليست المشكلة في أن يكون المرء مع أو ضد "حزب الله". هذه مسألة سياسية قابلة للنقاش.. إلى حدٍ ما. المشكلة في هذا الانسلاخ الكامل، في تحول حفنة من المسيحيين إلى حَمَلة لخطابات مستعارة لا تنتمي إلى البيئة المسيحية.

بين الاختلاف والذمية، خط واضح. ومن يعبره، لا يعود ممثلاً لبيئته المسيحية، بل شاهداً على غربته عنها وغيابها داخله.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى