سياسة لبنان الخارجية بين حدود الدور وغلبة الرؤى المثالية

في محاضرة له امام "الندوة اللبنانية" تحت عنوان "فلسطين في معترك السياسية العالمية" القاها في 17 آذار سنة 1947، يقول نجيب صدقة: "وللننفض عنّا غبار عقلية بالية ما زالت تلتصق بنا منذ ثلاثين عام، فلا نتذمّر، ولا نشكو، ولا نتّهم، ولا نشتم، ولا نسترسل مع العاطفة الجامحة، بل فالننظر الى الامور نظرة واقعية، ونقس قوانا بقوى العدو، ونميّز بين حلفائنا وحلفائه، ونقابل بين خططنا وخططه، فيتبين لنا مقدار املنا بالنجاح، ونرسم لأنفسنا الطريق التي يحسن ان نسلكها." اهمية محاضرة صدقة تكمن فيما يلي:
1- من خلال شرحه لطبيعة واهداف الحركة الصهيونية.
2- في دعوته الى مقاربة عقلانية كشرط لزيادة حظوظ النجاح في التعامل السياسي.
3- يمكن اعتبار المحاضرة نموذجا" تطبيقيا" لما تتطلبه عملية صياغة السياسة الخارجية من تحليل موضوعي لمصالح القوى المعنية وغاياتها، وتحديد دقيق للاهداف وترتيب لاولوياتها، توصّلا" الى وضع الخطط المناسبة في ضوء الوسائل والامكانات المتاحة.
وفي رأيي، انه لواستمعنا الى صدقة لما وصل العرب الى ما وصلوا اليه من تشتت في النظرة والاهداف، ولما عانى لبنان من انحسار لدوره الحضاري "كصلة وصل بين الشرق والغرب" كما تمنّاه ميشال شيحا، او "كطريق دولي" و"كحصن" كوّنت "شخصيّة لبنان" الخاصة التي "لا مثيل لها في الدنيا،" كما رآه فيليب تقلا. وانه من المؤسف القول ان حالة الانقسام بين اللبنانيين كانت النتيجة الحتمية لابتعادهم عن تتطلعات شيحا وآمال تقلا، الذان اعتبرا ان معطيات التاريخ والجغرافيا فرضت على لبنان ان يضطّلع بدور اكبر بكثير من حجمه، اي ان يكون بلد ذو رسالة متمايزا" عن محيطه ومنفتحا" على العالم.
وفي المحصّلة فانّ الانقسامات العمودية بين اللبنانيين ومراهناتهم على قوى خارجية للانقضاض على النظام السياسي جعلت من بلدهم "جسرا" ابعدهم عن محيطهم العربي، وامتدادا" للطموحات الناصريّة، "ورصيفا" للقضية للفلسطينية، "وملفّا" عند الاحتلال السوري، وساحة صراع بين الولايات المتحدة الاميركية وايران. وعليه، لقد آن الاوان للفكرة اللبنانية ان تتبلور، فنقوم عندها بتقديم المصلحة اللبنانية أوّلا" على ما عداها من المصالح شرقا" وغربا".
ان المعضلة التاريخية التي واجهت سياسة لبنان الخارجية هي في صعوبة التوفيق بين العداء لاسرائيل والانحياز للغرب في آن معا". فاسرائيل هي جزء من التشكيل الغربي، والخطأ التاريخي ارتكب في فشلنا كشعوب ودول عربية في اقناع الدول الغربية انه من مصلحتها الوقوف اللى جانب قضايانا العربية المحقّة. اضف الى ذلك ان الثقافة الغربية التي اريد لها ان تطبع حياة اللبنانيين قد جعلتهم ينعزلون اقتصاديا" عن العالم العربي، رئة لبنان ثقافيا" واقتصاديا". وكان على مهندسي سياسة لبنان الخارجية ان يدركوا ان لبنان ليس الشاطئ الشرقي للغرب بل الشاطئ الغربي للشرق.
فما احوجنا اليوم الى اتباع سياسة خارجية تتسم بالعقلانية والواقعية والحكمة والاتزان. ويشهد لفخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون جهده الدؤوب لتحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، واقامة حالة من الاستقرار في ربوعه والسلام بين ابنائه. ففي مواجهة الاحتلال الاسرائيلي اقترح فخامته بداية التفاوض كانجع الوسائل لتحرير الارض. وعندما لم يلق اقتراحه هذا آذان صاغية عند الاعداء، اطلق فخامته مبادرة جديدة تؤكد على استعداد الدولة "بانها المسؤولة الوحيدة عن امن الحدود واراضيها كافة. وهي جاهزة للتفاوض برعاية امميّة او اميركية او دولية مشتركة على اي اتفاق لوقف نهائي للاعتداءات." و اما المطلوب، يضيف فخامة الرئيس، "حصر ولاء اللبنانيّ بوطنه، وحصر انتمائه الدستوري والقانوني الى دولته." واذا ما تمّ ذلك، يستعيد لبنان دوره الحضاري لانه "حصيلة نضال قرون من اجل الحريّة.
