هدوء في الشوارع... ماذا ينتظر فرنسا السبت المُقبل؟

ذكر موقع "ارم نيوز"، أنّه بعد أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات في فرنسا، تبدو الشوارع أهدأ نسبياً، لكن الأزمة لم تنتهِ، فقد تراجعت حدة الاضطرابات مقارنة بمشاهد النهب والحرق التي رافقت تحرك يوم 17 تشرين الاول الماضي.
ويأتي ذلك، من دون أن تتراجع أعداد المشاركين أو المطالب الأساسية المتعلقة بغلاء المعيشة، وتدهور التعليم، ونقص الخدمات العامة.
وبينما تحاول الحكومة احتواء الحركة عبر تعديلات في سياسة القبول الجامعي وتشديد الانتشار الأمني، ينقل المحتجون المعركة إلى عنوان جديد: الحقّ في التظاهر.
وتستعد فرنسا لجولة ثالثة في 31 تشرين الأول، مع أكثر من 500 تحرك متوقع في أنحاء البلاد، ثم لإضراب نقابي واسع في 5 تشرين الثاني.
لذلك، لا تشير مظاهر الهدوء النسبي إلى تسوية، في وقت يضغط فيه الدين العام وارتفاع كلفة الاقتراض على قدرة باريس على تقديم تنازلات اجتماعية واسعة.
وبينما شهدت مدن مثل نانت ورين ومرسيليا مواجهات محدودة في نهاية المسيرات، كانت الاحتجاجات عمومًا أكثر هدوءًا من أسبوعها الأول، بحسب "لوموند".
لكن الهدوء جاء في ظل انتشار أمني كثيف. فقد أعلنت وزارة الداخلية توقيف نحو ألف شخص على المستوى الوطني، وسجلت شرطة باريس 142 توقيفًا، بينها 120 حالة احتجاز على ذمة التحقيق.
وفي المقابل، كان عدد الموقوفين في العاصمة خلال 17 تشرين الأول قد بلغ 855 شخصًا، وسط عمليات نهب واسعة في قلب المدينة.
وبحسب موقع "Sortir à Paris"، ستدفع الحكومة باتجاه إبعاد المسيرات عن مراكز المدن لحماية المتاجر، مستندة إلى تجربة 24 تشرين الأول، حين نُقل مسار المسيرة في باريس إلى الأطراف بين بورت ديتالي وبورت دو فانسين. لكن هذا الخيار فتح مواجهة جديدة مع المنظمين، الذين يرون أن إبعاد المسيرات عن الساحات المركزية يبعد المطالب أيضًا عن أنظار الرأي العام.
وقدمت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو تنازلًا واضحًا في ملف التعليم، عندما أعلنت إنهاء منصة "باركور سوب" بحلول عام 2028، مع مراجعة عميقة لنظام القبول في 2027 وزيادة الشفافية في معايير اختيار الطلاب.
كما تعهدت بإضافة 15 ألف مقعد في التعليم العالي، ووضع سقف قدره 28 طالبًا في فصول السنة الثانية بالمدارس الثانوية العامة الأكثر استقبالًا للطلاب المحرومين، اعتبارًا من العام الدراسي 2027.
غير أن هذه الإجراءات لم تقنع ممثلي الطلاب. فالإصلاح لا يغيّر وضع طلاب السنة النهائية الذين سيستخدمون "باركور سوب" مرة أخرى في 2027، كما أن الزيادة المعلنة في المقاعد تبقى أقل بكثير من مطلب المنظمات الشبابية التي تطالب بـ250 ألف مقعد.
لذلك، واصل الطلاب الدعوة إلى التحرك، بعدما اعتبروا لقاءاتهم مع الحكومة غير كافية ولا تقدم حلولًا فورية للطلاب الذين ظلوا بلا مقاعد جامعية.
أما في ملف الغلاء والأجور والمعاشات والخدمات العامة، فلم تقدم باريس حتى الآن حزمة مالية واسعة.
ويرتبط ذلك مباشرة بوضع الموازنة. فبحسب تحليل لمركز "تشاتام هاوس"، يقترب الدين العام الفرنسي من 119% من الناتج المحلي، فيما يظل العجز مرتفعًا وتزداد كلفة الاقتراض.
ويعني ذلك أن الحكومة لا تملك المساحة المالية التي تسمح بسياسة إنفاق مفتوح لشراء الهدوء الاجتماعي.
من جهته، وضع يانيك تريغانس الأمين الوطني للحزب الاشتراكي المكلف بالتعليم، التنازل الحكومي في حجمه الحقيقي. وقال إن قضية "باركور سوب" مهمة، لكنها ليست جوهر الحركة الطلابية، لأن المشكلة تبدأ قبل المنصة وتستمر بعدها.
وأوضح أن التلاميذ يواجهون منذ المرحلة الثانوية ضغوطًا مرتبطة بالتقييم المستمر، وفوارق كبيرة في التوجيه الدراسي، وجداول دراسية غير منتظمة، ثم يصطدمون بعد التخرج بنقص المقاعد الجامعية.
ويحذر تريغانس من أن استبدال المنصة لن يغير شيئًا إذا استمر القبول الانتقائي بسبب قلة الأماكن، قائلًا: "ليس الأمر مجرد تغيير الأداة محل الاعتراض، بل يتعلق بالنظام كله، في المرحلة السابقة على الجامعة، وكذلك بما يحدث بعدها في التعليم العالي".
كما ربط المسؤول الاشتراكي بين أزمة القبول وأوضاع الطلاب المعيشية، داعيًا إلى إعادة بناء نظام المنح، وتوفير مساكن جامعية عامة، وتثبيت وجبة اليورو الواحد، وتعزيز مراكز الخدمات الجامعية والصحة النفسية.
