يتراجع رغم الازمات... هل فقد الذهب صفة الملاذ الآمن؟

خاص - "أخبار اليوم"
ظل الذهب عبر التاريخ الملاذ الأول للمستثمرين وللدول في أوقات الحروب والأزمات، لأنه يحفظ القيمة حين تضعف العملات وتهتز الأسواق، ولا يرتبط بالتزام أي حكومة أو مصرف. لكنه يتراجع اليوم رغم اشتعال التوترات في أكثر من منطقة، فقد هبط من قمة 5,595 دولاراً في كانون الاول 2026 إلى نحو 4,000 دولار للأونصة، وبدا أنه فقد بريقه كملاذ آمن.
في الواقع، وبحسب خبير اقتصادي، يتراجع الذهب لأن العوامل النقدية والمالية تغلبت حالياً على المخاطر الجيوسياسية. فقد أبقت صدمات الطاقة التضخم مرتفعاً، ولوّح الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بمزيد من التشديد، وتجاوزت عوائد سندات الخزانة الأميركية 5%. وبذلك صارت السندات ملاذاً بديلاً يدرّ عائداً مضموناً، بينما لا يدرّ الذهب أي عائد دوري.
ويشرح الخبير عينه ان الدولار القوي يزيد الضغط، لأن الذهب يُسعَّر بالدولار فيصبح أغلى على حاملي العملات الأخرى ويضعف الطلب عليه. وتضاف إلى ذلك أزمة سيولة في أسواق الأسهم، إذ تبيع الصناديق الذهب لسهولة تسييله ولما حققه من أرباح، كي تغطي خسائرها وطلبات الهامش.
ويرى انه بعد سلسلة ارتفاعات قياسية، خرجت أموال المضاربة جماعياً لجني الأرباح، فدخل السعر في تصحيح عميق قرب 4,000 دولار للأونصة، أي أقل بأكثر من ربع قمة كانون الاول الفائت.
على المستوى الشخصي: شراء أم بيع؟
وفي هذا سياق، عندما كان الذهب خلال العام 2025 في تصاعد مستمر لجأ الكثير من الافراد الى شراء المعدن الاصفر، فما هي النصيحة لهؤلاء؟ يقول الخبير الاقتصادي: لا توجد إجابة واحدة، فالقرار يتوقف على الأفقك الزمني وحاجتك إلى السيولة. الشراء مناسب للمستثمر طويل الأجل (من سنتين إلى خمس سنوات)، على دفعات شهرية صغيرة وبحصة تتراوح بين 5% و10% من الثروة. أما البيع أو التوقف عن الشراء فيناسب المضارب قصير الأجل، ومن يحتاج سيولة عاجلة أو عليه ديون مرتفعة الفائدة، ومن تتجاوز حصة الذهب في محفظته 25–30% .
هل يعود الارتفاع بعد الاستقرار؟
وهنا، سئل: هل تعود الاسعار الى الارتفاع بعد الاستقرار؟ يجيب الخبير عينه: يُرجَّح ذلك، فالذهب يرتفع عند الخوف من المجهول، ثم تتحول الأنظار إلى تبعات الأزمة من تضخم وفائدة مرتفعة فيتراجع.
ويلفت الى انه عند عودة الهدوء تعمل أربعة عوامل الاسعر:
أولا: انحسار التضخم مع هبوط أسعار الطاقة، ما يدفع البنوك المركزية إلى خفض الفائدة ويقلل جاذبية السندات.
ثانيا: ضعف الدولار نتيجة ذلك، وهو يرفع سعر الذهب بحكم العلاقة العكسية بينهما.
ثالثا: ثقل الديون الحكومية الناتجة عن الإنفاق العسكري وحزم الدعم، ما يدفع المستثمرين إلى الذهب بوصفه أصلاً لا يمكن طباعته. رابعا: استمرار البنوك المركزية، ومنها الصين والهند وبولندا وتركيا، في شراء الذهب لتقليل اعتمادها على الدولار، وهذا يشكل حداً أدنى للسعر.
وفي هذا السياق، تتوقع المؤسسات الكبرى عودة الصعود:
J.P. Morgan :
6,000– 6,300 دولار خلال 2027
Goldman Sachs:
5,400 دولار بنهاية 2027
Bank of America:
5,000 دولار على المدى البعيد
عقد من الصعود: لمحة تاريخية
وفي لمحة تاريخية، بين 2016 و2018 تحرك الذهب في نطاق هادئ بين 1,078 و1,380 دولاراً مع رفع تدريجي للفائدة.
وفي 2019–2020 دفعته الحرب التجارية الأمريكية الصينية ثم جائحة كورونا والفائدة الصفرية إلى أكثر من 2,070 دولاراً.
وفي 2021–2022 ضغط التشديد النقدي على السعر، لكن حرب أوكرانيا منعت انهياره.
ثم جاءت قفزة 2023–2026 بفعل مشتريات البنوك المركزية والصراعات والديون، فارتفع الذهب نحو 27% في 2024 ونحو 64% في 2025، وبلغ قمته في كانون الاول 2026.
ويتداول الآن قرب 4,000–4,130 دولار.
وبالاسناد الى هذه المقارنة، يخلص الخبير الاقتصادي الى القول: الهبوط الحالي تصحيح موقت داخل اتجاه صاعد طويل، حيث يمهّد خفض الفائدة وضعف الدولار لعودة الارتفاع، لذلك تبدو المستويات القريبة من 4,000 دولار فرصة للتجميع التدريجي لمن يملك أفقاً طويلاً.
