من النفط إلى الذهب.. لماذا خذل "الملاذ الآمن" المستثمرين في زمن الحرب؟

في الأسبوع الذي عاد فيه برميل برنت إلى أكثر من 110 دولارات للمرة الأولى منذ أيار، متجاوزاً 112 دولاراً في بعض جلسات الخميس، هبط الذهب إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من شهرين، قرب 4,025 دولاراً للأونصة، في مشهد يناقض القاعدة التي حفظها المستثمرون لعقود، وهي أن الحروب والتضخم يدفعان المعدن الأصفر إلى الأعلى. غير أن تتبّع مسار الأسعار منذ مطلع العام يكشف أن الذهب لم يفشل فجأة، بل إن الحرب نفسها هي التي غيّرت قواعد اللعبة.

فالمفارقة الأولى أن الذهب بلغ ذروته التاريخية قرب 5,590 دولاراً في 28 كانون الثاني، أي قبل شهر كامل من اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران أواخر شباط. وهذا يعني أن الأسواق كانت قد احتسبت المخاوف في الأسعار مسبقاً، مدفوعة بمشتريات قياسية للمصارف المركزية ورهانات على خفض الفائدة وتراجع الدولار. وحين وقعت الحرب فعلاً، لم تؤدّ إلى ركود يدفع نحو خفض الفائدة، بل إلى موجة تضخم يقودها النفط. فانقلبت المعادلة التي بُني عليها صعود الذهب، ليخسر حتى اليوم نحو 28 في المئة من قيمته مقارنة بذروته.

والمفارقة الثانية أن النفط تحوّل إلى خصم مباشر للذهب، إذ إن كل ارتفاع في سعر البرميل يرفع توقعات التضخم، فيدفع الأسواق إلى توقّع مزيد من التشدد في سياسة الاحتياطي الفدرالي. وبات احتمال رفع الفائدة في كانون الأول يقارب 90 في المئة، فيما تجاوز عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات 5.1 في المئة. وفي هذه البيئة، يصبح امتلاك أصل لا يدرّ دخلاً دورياً خياراً مكلفاً مقارنة بسندات تمنح حاملها أكثر من خمسة في المئة سنوياً من دون مخاطرة تُذكر، وهو ما يفسّر كيف بات الملاذ الآمن الفعلي في 2026 هو الاستثمار الذي يدرّ عائداً، لا المعدن.

أما المفارقة الثالثة فتكمن في أن الذهب نفسه أصبح ضحية نجاحه. فالصعود التاريخي خلال عامين جذب مبالغ كبيرة من أموال المضاربة، ومع تغيّر ظروف السوق بدأت هذه الأموال بالخروج دفعة واحدة. ويظهر ذلك بوضوح في الفضة، التي تتراجع أسعارها بوتيرة أسرع بكثير من الذهب، ما يدل على أن جزءاً كبيراً من التراجع ناتج عن بيع المستثمرين حيازاتهم من هذه المعادن، لا عن تحوّل في النظرة إلى قيمة الذهب على المدى الطويل.

ولهذه المعادلة انعكاس مباشر على لبنان، الذي يملك مصرفه المركزي نحو 286.8 طناً من الذهب. فبحساب قيمة الاحتياطي وفق هذين السعرين، يتبيّن أنها تراجعت من نحو 51.5 مليار دولار عند ذروة كانون الثاني إلى قرابة 37 ملياراً بالأسعار الحالية. أي إن هذا الاحتياطي، الذي يُعدّ من أهم ركائز الثقة بالنقد اللبناني، فقد نحو 14 مليار دولار من قيمته السوقية خلال تسعة أشهر. وفي الوقت نفسه، يدفع المواطن ثمن ارتفاع النفط في فاتورة المولد وصفيحة البنزين، وتتراجع قيمة المدخرات التي حوّلها كثيرون إلى ذهب بعد انهيار المصارف.

ويبقى اجتماع الاحتياطي الفدرالي في 27 و28 تشرين الأول محطة حاسمة، لأن أي إشارة إلى رفع إضافي للفائدة قد تدفع سعر الذهب إلى ما دون أربعة آلاف دولار. في المقابل، قد تعود أسعار المعدن الأصفر إلى الارتفاع إذا تراجع النفط فجأة نتيجة تسوية مع إيران.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى