الذكاء الاصطناعي: هل نحن بحاجة إلى قانون جديد أم إلى قراءة جديدة للقوانين القائمة؟

كتبت المحامية نهال صافي:
لم يعد الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا مستقبلية بعيدة عن الواقع، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية، ومن أعمال الشركات، والإدارة العامة، والقطاع المالي، والتعليم، وحتى الممارسة القانونية. وفي لبنان، بدأ النقاش حول الذكاء الاصطناعي ينتقل من مرحلة الاهتمام بالتكنولوجيا إلى مرحلة أكثر جدية: كيف ينظم القانون استخدام هذه التكنولوجيا دون أن يتحول التنظيم نفسه إلى عائق أمام الابتكار؟
من وجهة نظري كمحامية إن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل لدينا قانون للذكاء الاصطناعي؟ فقط، بل: هل النظام القانوني الحالي قادر على استيعاب آثاره؟ وما الذي يحتاج فعلاً إلى تدخل تشريعي؟
غياب قانون خاص لا يعني غياب القانون
من الأخطاء الشائعة القول إن الذكاء الاصطناعي يعمل في "فراغ قانوني" لمجرد عدم وجود قانون لبناني مستقل وشامل يحمل عنوان "قانون الذكاء الاصطناعي".
القواعد القانونية القائمة لا تتوقف عن التطبيق لمجرد ظهور تكنولوجيا جديدة.
فعندما يستخدم نظام للذكاء الاصطناعي بيانات شخصية، تدخل قواعد حماية البيانات والخصوصية في المعادلة. وعندما يؤدي استخدامه إلى ضرر، تظهر مسؤوليات قانونية يمكن بحثها ضمن القواعد العامة للمسؤولية. وعندما يُستخدم في علاقة تعاقدية، تصبح مبادئ العقد، والإثبات، وحسن النية، والالتزامات المهنية ذات صلة. وعندما يتعلق الأمر بالملكية الفكرية أو الأسرار التجارية أو الجرائم الإلكترونية، فإن القوانين القائمة يمكن أن تشكل جزءاً من الإطار القانوني الواجب تطبيقه.
وفي لبنان، يشكل القانون رقم 81/2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي أحد الأطر القانونية المهمة في هذا المجال، إلى جانب القواعد القانونية القطاعية الأخرى.
إذن، المشكلة ليست في غياب القانون بالمطلق، بل في عدم كفاية بعض القواعد القائمة لمعالجة المخاطر والوقائع الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي.
لكن هل تكفي القوانين القائمة؟
هنا تبدأ الحاجة الحقيقية إلى التشريع.
فالذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الصورة عند وضع كثير من قوانيننا: من يتحمل المسؤولية عندما يتخذ نظام آلي قراراً خاطئاً؟ كيف نتعامل مع قرار اتُخذ بناءً على خوارزمية غير شفافة؟ من يتحمل المسؤولية عن المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نحمي البيانات المستخدمة لتدريب النماذج؟ وماذا عن الـتزييف العميق أو التمييز الخوارزمي أو القرارات الآلية في التوظيف والائتمان والخدمات؟
هذه ليست أسئلة تقنية فقط، بل أسئلة قانونية وحقوقية واقتصادية وحوكمية.
ولهذا، فإن لبنان يحتاج إلى تطوير إطار تشريعي واضح ومتدرج يحدد المسؤوليات، ويحمي الحقوق، ويعزز الثقة في التكنولوجيا، ويخلق بيئة أكثر أماناً للشركات والمستثمرين والمستخدمين.
وهذا المسار بدأ يأخذ شكلاً مؤسسياً في لبنان؛ فقد أقرت لجنة تكنولوجيا المعلومات النيابية في كانون الثاني 2026 مشروع القانون المتعلق بإنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي معدلاً. كما أن الاستراتيجية الرقمية للوزارة تتضمن العمل على أطر وقوانين تتعلق بالبيانات والأمن السيبراني والتوقيع الإلكتروني، إلى جانب إطار وطني للذكاء الاصطناعي.
التشريع ضروري… لكن التشريع المفرط قد يكون خطراً
وهنا تكمن المفارقة.
نحن بحاجة إلى تشريع، لكننا لسنا بحاجة إلى تشريع يخاف من التكنولوجيا.
فالذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة أكبر بكثير من سرعة العملية التشريعية. وإذا وضع المشرّع قواعد تفصيلية جامدة مرتبطة بتكنولوجيا أو نموذج معين، فقد تصبح هذه القواعد قديمة قبل أن تدخل حيز التنفيذ.
كما أن الإفراط في المتطلبات، والتراخيص، والقيود المسبقة، والالتزامات الثقيلة على الشركات الناشئة، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً: إضعاف الابتكار بدلاً من حمايته.
وهذا الأمر مهم بصورة خاصة في لبنان، حيث يمكن للقطاع التكنولوجي والشركات الناشئة والمواهب اللبنانية أن تشكل فرصة اقتصادية حقيقية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون الهدف من التشريع هو منع المخاطر بأي ثمن، بل إدارة المخاطر بطريقة متناسبة مع حجمها.
نحتاج إلى قانون ذكي… لا إلى قانون يعيق الذكاء
التشريع المستقبلي للذكاء الاصطناعي في لبنان يجب أن يقوم، برأيي، على مبادئ أساسية:
أولاً، الحياد التكنولوجي:
أن ينظم القانون المخاطر والاستخدامات وليس التكنولوجيا نفسها، حتى يبقى صالحاً أمام التطور التقني.
ثانياً، التناسب:
ليس كل استخدام للذكاء الاصطناعي يحمل درجة الخطورة نفسها. استخدام أداة للترجمة لا يمكن أن يعامل كاستخدام نظام لاتخاذ قرارات تؤثر على حقوق الأفراد.
ثالثاً، المسؤولية البشرية:
لا يجوز أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ذريعة للهروب من المسؤولية. وجود الخوارزمية لا يلغي مسؤولية الشخص أو الجهة التي قررت استخدامها.
رابعاً، حماية البيانات والخصوصية:
لا يمكن بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي دون بناء ثقة في كيفية جمع البيانات ومعالجتها وحمايتها.
خامساً، دعم الابتكار:
يجب أن يجد المشرّع مساحة للشركات الناشئة والتجارب، بدلاً من فرض أعباء قد لا تستطيع الشركات الصغيرة تحملها.
سادساً، المرونة:
ينبغي أن يكون التشريع قابلاً للتطوير من خلال لوائح وإرشادات ومعايير تقنية قابلة للتحديث، بدلاً من وضع كل التفاصيل داخل نص تشريعي جامد.
لبنان أمام فرصة وليس أمام مشكلة
الحديث عن تنظيم الذكاء الاصطناعي في لبنان لا يجب أن يكون حديثاً عن "اللحاق" بالدول الأخرى فقط.
لبنان يملك طاقات بشرية وكفاءات قانونية وتقنية يمكن أن تجعله جزءاً من صناعة هذه القواعد، لا مجرد مستهلك لها. وقد أصدرت الجامعة اللبنانية في عام 2025 إرشادات حول حوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تضمنت مبادئ مثل الشفافية، والمساءلة، والخصوصية، والعدالة، والسلامة.
وهنا تحديداً يظهر دور المحامي.
فالمحامي في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد دوره انتظار صدور القانون ثم تطبيقه. بل عليه أن يشارك في صياغة السياسات، وتقييم المخاطر، ووضع أطر الحوكمة، ومساعدة الشركات على استخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة ومتوافقة مع القانون.
في النهاية، لبنان لا يحتاج إلى تشريع لمجرد أن العالم يتجه نحو تشريعات الذكاء الاصطناعي.
نحتاج إلى تشريع لأن بعض آثار الذكاء الاصطناعي تتطلب قواعد أكثر وضوحاً وتخصصاً.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا ننسى أن القانون ليس غاية بحد ذاته. فالتشريع الجيد هو الذي يحمي الإنسان من دون أن يمنع الابتكار، ويضع المسؤولية من دون أن يقتل المبادرة، ويعالج المخاطر من دون أن يضع التكنولوجيا كلها تحت الاشتباه.
التحدي الحقيقي أمام المشرّع اللبناني ليس أن ينظم الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أن يعرف أين يجب أن يتدخل القانون، وأين يجب أن يترك مساحة للابتكار.
وهذه، في رأيي، هي نقطة البداية لأي نقاش جدي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي والتشريع في لبنان.
