وقف إطلاق النار على أنفسنا

كتب صالح المشنوق في صحيفة نداء الوطن:
تفاوض على شو؟
لا شك في أن قرار الدولة اللبنانية المشاركة في مفاوضات سياسية وأمنية مباشرة مع إسرائيل قرار جريء بالمبدأ، فهو كسر تابو فُرض عنوة على لبنان منذ العام 1983 خلافًا لمصلحة لبنان الاستراتيجية. لبنان عاد وفاوض في مدريد، ولكن تحت المظلّة السورية وبرعاية شعار "وحدة المسار والمصير". ولا شك أيضًا في أن قرار التفاوض ينزع من النظام الإيراني الحق الحصري في التفاوض، وكأن لبنان ورقة بيده. بهذا المعنى، انتزع لبنان سيادته الدبلوماسية من النظام الإيراني، وأعاد القرار الدبلوماسي إلى حيث يجب أن يكون. إلى هذا الحد، فإن الدولة تقوم بواجباتها على أكمل وجه. شكرًا "حزب الله".
هذا في الشكل. أما في المضمون، فالدولة تعيدنا إلى نقطة الصفر بالتفاوض نيابة عن "حزب الله"، وليس عن عموم الشعب اللبناني. بدا ذلك جليًا من خلال مطالب لبنان على طاولة المفاوضات: وقف إطلاق النار، انسحاب إسرائيل، إعادة الأسرى، أي مقاتلي "حزب الله" الخارجين عن القانون بحسب الحكومة نفسها، عودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة الإعمار. لا يوجد فرق واحد بين "مطالب" الدولة اللبنانية على طاولة المفاوضات ومطالب الحزب. الفارق شكلي فقط: "حزب الله" يريد التفاوض غير المباشر، فيما الدولة اختارت التفاوض المباشر. ما عدا ذلك، وبحسب "مطالب" الدولة اللبنانية، فالمرجو من المفاوضات هو العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا في السابع من أكتوبر 2023، مع إعطاء الرئيس نبيه برّي 20 مليار دولار، عبر مجلس الجنوب، كي يقوم بنفسه بإعادة إعمار القرى المهدّمة. بذلك، تضمن الدولة أن يتمكّن "حزب الله" من إعادة بناء قدراته العسكرية بهدوء، تمهيدًا للحرب المقبلة التي يوعدنا بأن يدخل فيها إلى الجليل بالفرقة الموسيقية. إنه الجنون بحدّ ذاته: أن تتّبع الاستراتيجية نفسها وتنتظر نتائج مختلفة، بحسب القول المنسوب (زورًا) للعبقري ألبرت أينشتاين.
أن تشترط الدولة اللبنانية وقفًا لإطلاق النار كمدخل حقيقي للمضي قدمًا في المفاوضات، هو بمثابة إطلاق نار على نفسها. وفي هذا انتحار، إما نظري وإما عملي. إذا لم تنجح في تحقيق هذا المطلب، وهو المرجّح، ستبدو كأنها فاشلة، ليس فقط على صعيد القيادات التي اختارت هذا المسار، بل على مستوى شرعية المسار نفسه. "حزب الله" على حق: التفاوض المباشر لا يحقّق شيئًا للبنان. وإذا نجحت، وهذا ما لن يحصل، فإنها عمليًا تكون قد شاركت بشكل مباشر في استعادة "حزب الله" وضعيته وإمكاناته، التي يعتزم من خلالها القضاء على القليل مما تحقّق على مستوى قرار الدولة المستقل. لو كانت الدولة تشترط وقف إطلاق النار على مؤسساتها، أو على المناطق التي تسيطر عليها، لكان الأمر مفهومًا. لكنها تطالب بأن توقف إسرائيل إطلاق النار على المنظمة التي شنّت الحرب مرتين، وعلى هذا الأساس صنّفتها الدولة نفسها منظّمة خارجة عن القانون، من دون أن يكون لديها أي شكل من أشكال الضمانات من "حزب الله" بخصوص تسليم سلاحه، بالإذن من "نكتة" ضمانات برّي. عدنا، بشكل أو بآخر، إلى معادلة دولة، أي جيش، وشعب ومقاومة، على الرغم من اعتراض الأغلبية العظمى من الشعب على تلك المعادلة.
حتى بين الدول التي تقاتل بعضها بعضًا، وهذا ليس الحال هنا، ليس ثابتًا أبدًا في علم التفاوض أن على المدافع أن تهدأ قبل التقدّم في التفاوض. أوكرانيا مثلًا فاوضت روسيا، التي كانت قد اجتاحت أراضيها من دون أي سبب شرعي أو قانوني في العام 2022، في بيلاروسيا. كان التفاوض مباشرًا، ولم يُشترط وقف إطلاق النار، مع أن الجيش الأوكراني كان قد صمد في وجه الغزو الروسي. فشلت المفاوضات بسبب عدم تحقيق تقدّم على مستوى الحل السياسي. عادوا والتقوا في العام 2025، واتّفقوا على تبادل الأسرى من دون أن تكون لذلك تداعيات على إطلاق النار بين الطرفين. هذه هي القاعدة. أما وقف إطلاق النار لاستكمال المفاوضات فهو الاستثناء. هو الاستثناء بين الدول المتقاتلة، فكيف يكون شرطًا لدولة تفاوض ولا تقاتل؟ إنها أبرز غرائب العقل اللبناني الذي أوصلنا أصلا إلى هذه الكارثة.
لم يعد أحد منا قادرًا على فهم الهدف العملي من مفاوضات واشنطن، إلا إذا كان وجودها هدفًا قائمًا بحد ذاته. هذا ينفع لأسبوع أو أسبوعين، ولكنه لا يبني وطنًا ولا يصنع سلامًا، فالسادات ذهب إلى القدس وأرضه محتلّة وعليها مستوطنات. أما الآن، فما هي الرؤية والاستراتيجية لتحقيق هذه الرؤية؟ "ترقيع" على الطريقة اللبنانية. أما البديل عن المقاربة القائمة فواضح: أن تسعى الدولة اللبنانية إلى عقد اتفاق أمني – سياسي مع إسرائيل، تلتزم من خلاله إسرائيل باحترام سيادة لبنان والسماح بعودة أهالي الجنوب إلى قراهم وإعادة الإعمار، بإشراف دولي مباشر، بعد تسليم "حزب الله" كامل سلاحه وإعلانه حلّ تنظيمه الأمني والعسكري. تلتزم الدولة اللبنانية، في المقابل، كمرحلة أولى، بنزع سلاح "حزب الله" من المناطق التي تقع خارج مناطق النزاع المباشر، وتقوم بـ pilot project في منطقة محددة يثبت نيّتها قبل عقد الاتفاق. ومع إتمام مهمّتها، تنسحب إسرائيل من الجنوب بضمانة أميركية. هذا هو التفاوض الذي تقوم به الدولة نيابة عن شعبها، وليس عن الميليشيات الإيرانية. ما عدا ذلك، فإنها كمن، بدل أن يحقّق وقفًا لإطلاق النار، يطلق مزيدًا من النار على نفسه.
