استقيلوا!

كتب سعيد مالك في صحيفة نداء الوطن:

التضامن الحكومي (أو الوزاري) هو مبدأ دستوري وسياسي. يُلزِم أعضاء الحكومة بالعمل كفريق واحد. ويهدف هذا المبدأ إلى تحقيق التناسق والتكامل وضمان استقرار النظام الديمقراطي.

ومفهوم التضامن الوزاريّ هو مبدأ أساسيّ في الأنظمة البرلمانية. ويعني أن أعضاء الحكومة (مجلس الوزراء) يتحمّلون المسؤولية بشكل جماعيّ عن السياسات والقرارات التي تتخذها الحكومة، حتى لو كان بعضهم قد عارض هذه القرارات داخليًا أثناء المداولات.

وبالتالي، عندما يتخذ مجلس الوزراء قرارًا، يصبح هذا القرار قرار الحكومة ككُلّ. ويلتزم جميع الوزراء بالدفاع عنه علنًا، ولا يجوز لأيّ وزير أن يعلن معارضته القرار بعد صدوره.

حين تشكّلت حكومة الرئيس سلام، تشكّلت بعد أن سَمّت كلّ مجموعة ممثليها في الحكومة. وخرج من نصيب «الثُنائي» الشيعي أربعة وزراء، وخامس بالاتفاق بين «الثُنائي» ودولة الرئيس سلام.

شكّلت الحكومة مجموعة عمل يفترض أن تكون متجانسة ومتضامنة. وانقضت الأشهر حتى وصلنا إلى جلستي 5 و7 آب 2025، اللتين خلصتا إلى قرار بِبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الشرعية، وتكليف الجيش اللبناني مهمّة إعداد خطّة تطبيقيّة لحصر السلاح ضمن مهلة محدّدة. وأكّدت هذه القرارات حصرية قرار الحرب والسِلم بيد الدولة اللبنانية دون سواها من الأطراف.

وأثناء الجلسة التي انعقدت في الخامس من شهر آب، سجّل وزراء «الثُنائي» اعتراضهم بعد أن فشلوا في تعطيل القرار أو تأجيله. أمّا في جلسة السابع منه، فانسحب وزراء «الثُنائي» من الجلسة عند الإصرار على اتخاذ القرار. وهذا الانسحاب من الجلسة جاء بعنوان «انسحبنا من الجلسة لا من الحكومة». كلّ ذلك كان لِيَمُّر لولا المواقف التي تَلَت الجلسة من اعتراض وتصعيد من «الثُنائي» الشيعي لا سيّما قيادة «حزب اللّه»، إلى حدّ تخوين الحكومة ودولة الرئيس سلام وسيّد العهد.

وبالأمس القريب، وافقت الحكومة على خطوة الرئيس عون بالتفاوض مع إسرائيل إنهاءً لِحربٍ مُدمّرة طالت الحجر والبشر.

وبالتالي، كان من المفترض على «الثُنائي» وتحديدًا «حزب اللّه»، إمّا الالتزام بالقرارات الحكومية وإمّا الخروج من الحكومة. فليس بالإمكان مواجهة القرارات الحكومية من جهة، والبقاء داخل الحكومة من جهةٍ أُخرى.

ومع الاحترام الكُلّي إلى أشخاص الوزراء وأدائهم الوزاري، لكن ذلك لا يعفيهم من كونهم مُمثلين لأحزابهم وقياداتهم. وعلى هذه القيادات أن تحسُم أمرها بالالتزام بقرارات الحكومة، أم بمعارضتها والطلب من وزرائها الاستقالة من الحكومة.

ففي العام 2006، استقال وزراء حركة «أمل» و «حزب اللّه» من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة نتيجة معارضتهم إنشاء المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي العام 2012، استقال وزير الاتصالات شربل نحّاس بسبب رفضه توقيع مرسوم يتعلّق بالأجور. وفي العام 2020 استقال الوزير ناصيف حتّي من حكومة الرئيس حسّان دياب بسبب اعتراضه على أداء الحكومة. وفي العام 2020، استقال عدّة وزراء ومنهم دميانوس قطّار وماري كلود نجم بسبب تحميل الحكومة مسؤولية الفشل نتيجة انفجار مرفأ بيروت. كذلك عام 2003، استقال وزير الخارجية البريطاني روبن كوك بسبب رفضه مُشاركة بريطانيا في حرب العراق، كذلك وزير شؤون البريكست ديفيد ديفيس عام 2018 بسبب اعتراضه على خطة الخروج من الاتحاد الأوروبي، كذلك وزير الخارجية بوريس جونسون في العام نفسه ولِلسبب ذاته. وأيضًا في فرنسا، كانت استقالة الوزير نيكولا أولو عام 2018 بسبب خلافه مع الحكومة، وكذلك الوزير «برنار كوشنير» وغيرهم الكثير الكثير.

بالخُلاصة، في الأنظمة البرلمانية الوزير الذي لا يوافق على قرارات حكومته يستقيل، ولا يبقى في الحكومة حاضرًا ومشاركًا وفي خارجها مُعارضًا مُشاكسًا. هذه هي الحياة البرلمانية وأين نحن منها؟

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى