"الهديّة" التي قدّمها جنبلاط إلى برّي...

كتبت جوسلين بستاني في صحيفة نداء الوطن:

لا ينبغي قراءة تدخل وليد جنبلاط في مسألة اتفاقية الهدنة لعام 1949 بوصفه مجرد ملاحظة قانونية محايدة، بل باعتباره موقفًا سياسيًا يصبّ، في جوهره، في خانة دعم نبيه بري في لحظة بالغة الحساسية. فالإطار التفاوضي المتداول حاليًا يستند إلى القرار 1701 بوصفه المرجعية التنفيذية الأساسية، فيما تراجع حضور اتفاقية الهدنة لعام 1949 في بنية النقاش العلني.

ومن هنا، فإن إعادة طرح هذه الاتفاقية في هذا التوقيت تحديدًا لا يمكن اعتبارها فعلًا قانونيًا منفصلًا عن السياسة، بل هي تدخل مباشر في صلب معادلة تحديد المرجعيات التفاوضية، وهو الملف الذي يحرص رئيس المجلس على التمسك به.
وقد جاء الرد الفوري من بري على شكل تواصل شخصي مع جنبلاط، تخلله شكر متبادل، من ضمنه عبارة منسوبة إلى جنبلاط: "هذا أقل الواجب، دولة الرئيس". وهذه العبارة، وإن بدت في ظاهرها بروتوكولية، تحمل في سياقها السياسي دلالة أكثر وضوحًا؛ فهي تشكل إقرارًا ضمنيًّا بأن الخطوة جاءت استجابة لحاجة يدركها جنبلاط ويتعمد تلبيتها، لا مجرد تعليق قانوني عابر يصدر عن سياسي يبدي رأيًا في مسألة إجرائية.

فالشكر لا يُوجَّه عادةً إلا لمن قدّم شيئًا ذا قيمة، ولا يُقابَل بعبارة من هذا النوع إلا من يعرف تمامًا ما قدّمه ولماذا قدّمه. ولا سيما في السياسة اللبنانية، حيث تنطوي العبارات المقتضبة على طبقات متعددة من المعاني والرسائل. 
ولفهم هذا التبادل في عمقه، لا بد من استحضار التاريخ المشترك الطويل الذي يجمع الرجلين، وهو تاريخ يتجاوز بكثير حدود التنسيق الظرفي. فمنذ انتفاضة السادس من شباط 1984، شكّل بري وجنبلاط شريكين فعليين في مواجهة حكومة أمين الجميل. ففي ذلك الوقت، دعا بري ضباط الجيش وجنوده إلى الانشقاق، وتمكّن الطرفان، بدعم سوري، من فرض سيطرتهما على غرب بيروت، بما عزّز موقعهما السياسي والعسكري وأرسى نموذجًا من التعاون سيتكرر في محطات لاحقة.

وفي كانون الأول 1985، وقّع جنبلاط وبري معًا الاتفاق الثلاثي في دمشق برعاية سورية، في محاولة لإخراج البلاد من الحرب الأهلية، وإن كان الاتفاق قد انهار لاحقًا تحت وطأة التوازنات المتغيرة. ورغم أن العلاقة بين الطرفين شهدت، في مراحل مختلفة، توترات وتباينات، ولا سيما في ثمانينيات القرن الماضي، حين اندلعت صراعات بين حركة "أمل" والحزب "التقدمي الاشتراكي" حول النفوذ في غرب بيروت، فإن بري عُرف بتمسّكه بتحالفاته التاريخية حتى في أوقات الخلاف.

كما أن إعادة انتخاب بري رئيسًا لمجلس النواب في أكثر من مناسبة جاءت بدعم واضح من "الاشتراكي"، ما يعكس استمرارية خيط سياسي لم ينقطع بين الطرفين. ومن ثم، فإن الموقف الراهن لا يبدو استجابة ظرفية، بل امتدادًا لإرث سياسي وعلاقة راسخة قامت، على مدى عقود، على مزيج من التقاطع في المصالح والوفاء المتبادل.

وتتضح أهمية هذا الدعم أكثر عند وضعه في سياق موقع بري داخل البنية السياسية اللبنانية الراهنة. فهو ليس مجرد رئيس لمجلس النواب، بل يشكل، منذ سنوات، حلقة الوصل الأساسية بين الدولة اللبنانية و"حزب الله". وفي لحظة تتنافس فيها الأطراف الداخلية والخارجية على تعريف الأطر القانونية الناظمة لأي تسوية محتملة، فإن أي صوت سياسي وازن يرفع لواء المرجعية التي يتمسك بها بري لا يمكن اعتباره تفصيلا عابرًا. فمثل هذا الموقف يعزز موقعه التفاوضي، ويمنحه غطاء سياسيًا داخليًا.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب مبادرة جنبلاط معناها السياسي الأعمق: فهي لا تقتصر على إعادة إدراج اتفاقية الهدنة في النقاش العام، بل تمنح بري دعمًا معنويًّا وسياسيًّا في معركة تحديد المرجعيات التي ستبنى عليها أي تسوية مقبلة.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم موقف جنبلاط بوصفه خيارًا استباقيًّا ومدروسًا. فالرجل الذي تنقل بين اصطفافات متعددة خلال العقدين الأخيرين، يدرك جيدًا أن كلفة الصمت أو الحياد في بعض اللحظات قد تكون أعلى من كلفة التدخل المحسوب.
غير أن ما يمنح هذا التدخل دلالته الخاصة هو طريقة صياغته تحديدًا. فجنبلاط لم يجاهر بدعم سياسي مباشر لموقف بري التفاوضي، ولم يعلن انحيازًا صريحًا لأي من الأطراف في النقاش الدائر حول المرجعيات الناظمة لأي تسوية محتملة. بل اختار المدخل القانوني -الإجرائي لإيصال الرسالة نفسها، ولكن بكلفة سياسية وخطابية أدنى بكثير.
وهذا تحديدًا ما يميز السياسيين المحترفين في البيئات السياسية المعقدة: القدرة على تقديم الدعم من دون الظهور بمظهر التابع، والإسهام في تعزيز موقع طرف ما من دون الارتباط العلني بكامل أجندته. إنها سياسة الإشارة الموحية بدل التصريح المكشوف، أو فن الدعم غير المباشر الذي يتيح لصاحبه أن يبعث برسالة واضحة من دون أن يتورط في إعلان موقف صريح.

في المحصلة، لا تبدو مداخلة جنبلاط مجرد إبداء رأي قانوني في اتفاقية الهدنة، بل فعل سياسي محسوب، استخدم لغة القانون لتعديل موازين السياسة، ومنح حليفًا قديمًا دعمًا في لحظة تفاوضية دقيقة، من دون أن يضطر إلى إعلان ذلك صراحة.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى