من يحمي لبنان إذا أتى الخطر من البحر؟

كتبت جيسيكا حبشي في موقع mtv:

أعادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإقفال مضيق هرمز، تسليط الضّوء على البحر كساحة حربٍ حقيقيّة، يستعرضُ فيها كلّ طرف قدراته العسكريّة وأسلحته الاقتصاديّة. وفي هذا المشهد، قد يبدو البحر بعيداً عن الواقع الأمنيّ المباشر في لبنان، إلا أنّ الحقيقة مُختلفة تماماً. فالبحرية اللبنانيّة تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى أحد خطوط الدفاع الأساسيّة في الجيش اللبناني، خصوصاً في ظلّ الحروب المتتالية وما تفرضه من تحدّيات أمنيّة.

من هنا، يكتسب التعاون المُتسارع بين القوات البحرية اللبنانيّة و"اليونيفيل" البحرية أهمية خاصّة، ولا سيما بعد تكثيف التدريبات المشتركة، في إطار الاستعداد لتولّي البحرية اللبنانيّة مسؤوليات أكبر في الأمن البحري خلال عام 2026. تطورٌ لا يُعبّر فقط عن أهميّة رفع مستوى الجهوزية، بل يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً بأن الاستقرار في البرّ قد يبدأ من البحر، وأنّ أيّ خلل في الأمن البحري يُمكن أن ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. لكن ما أهميّة دور البحرية اللبنانيّة في هذه المرحلة الحرجة؟ وما الذي يجعلها اليوم أكثر من مُجرد قوة لحماية الشاطئ؟

ما مهام القوات البحريّة؟


يوضح العميد البحري المتقاعد نيكولا رعيدي، أنّه "من بين المهام الأساسيّة للقوات البحرية اللبنانية، وخصوصاً في ظلّ الحرب الحالية، تأمين الكشف المبكر عن أيّ تهديدات معادية في البحر، سواء من السّفن الحربية أو الغواصات، وإعطاء الإنذار المبكر للقوى البريّة وغرف العمليّات للتعامل المباشر أو غير المباشر مع هذه التهديدات. وبذلك، لا يقتصر دور البحرية على المراقبة، بل يتحوّل إلى جزء من منظومة الإنذار والردع الوطنية"، مُضيفاً، في مقابلة مع موقع MTV: "لا تنحصر أهمية البحرية اللبنانية في البعد العسكري فقط، بل تمتد أيضاً إلى حماية خطوط المواصلات البحريّة من وإلى المرافئ اللبنانية، بما يضمن استمرار تدفّق السلع والمواد الأساسيّة. وفي حال تعذّر استخدام بعض المرافئ بسبب الظروف الأمنيّة، تُصبح البحرية جزءاً من منظومة البحث عن بدائل عبر مرافئ في دول شقيقة أو صديقة، بما يُساهم في حماية التجارة، والصناعة، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة للدولة".


وفي هذا السياق، يُشير رعيدي إلى أنّ "القوات البحريّة اللبنانيّة تملك شبكة رادارية حديثة جداً لمراقبة المياه الإقليمية، والمياه المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، ما يسمح بمنع تهريب الأسلحة والمخدّرات والأشخاص، وإحباط أيّ محاولات لإقامة جسور بحرية على الشواطئ اللبنانية من قبل العدو أو الجماعات الإرهابيّة. كما تؤدي دوراً أساسياً في حماية الصيادين، ومنع الاعتداء على الثروة البحرية اللبنانية، بما فيها ثروات النفط والغاز في المياه اللبنانية".

ممَّ تتألف؟


وعن بنية هذه القوة، يلفت رعيدي إلى أنّ "البحرية اللبنانيّة تتألّف من شبكة رادارية، وقوات مسلحة بحريّة، ومراكب حربية، ومراكب إنزال، وزوارق دورية، ومراكب سريعة مجهّزة بالأسلحة المناسبة، وهي جميعها تعمل على جمع المعلومات والإنذار المبكر وتزويد غرف العمليّات في الجيش بالإحداثيّات اللازمة لاتخاذ القرار المُناسب، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى مراكب أكبر وأكثر عدداً، قادرة على البقاء لفترات أطول في المياه الإقليمية والمياه المتاخمة، بما يتيح لها الحفاظ على الأمن البحري والسيادة اللبنانية، وتأمين الشاطئ اللبناني الممتد على نحو 220 كيلومتراً"، ويُضيف أنّ "هذا الأمر يكتسب أهمية مضاعفة مع الحديث عن حماية منصّات النفط والغاز اللبنانية، فوجود مراكب حربيّة لبنانيّة قادرة على حماية هذه المنشآت يمنح الشركات الأجنبية ثقة أكبر بالدولة اللبنانية وبقدرتها على حماية استثماراتها".

خطرٌ كبير من البحر...


لكن مقابل هذه المهام، يبرز خطرٌ آخر يراه رعيدي الأكثر إلحاحاً اليوم، ويتمثّل "في إمكان فرض البحرية الإسرائيليّة حصاراً على المرافئ اللبنانية، ولا سيّما مرفأي بيروت وطرابلس، إضافة إلى مرافئ صور والجية وسلعاتا وصيدا"، ويذكّر بأنّ لبنان شهد هذا النوع من الحصار في حروب سابقة، حين منعت إسرائيل دخول مواد غذائيّة وإمدادات أساسيّة إلى البلاد. من هنا، تُصبح الحاجة إلى تعزيز القدرات البحريّة اللبنانيّة أساسيّة، ليس فقط لحماية المياه الإقليمية، بل أيضاً لمواجهة أيّ حصار بحري مُحتمل، أو على الأقل الحدّ من تداعياته على الأمن الغذائي والاقتصادي"، كما يقول، مُسلّطاً الضوء أيضاً على "خطر الإرهاب البحريّ وتهريب الأسلحة والمخدّرات والممنوعات والأفراد من وإلى لبنان".


في موازاة ذلك، يُشدّد رعيدي على أنّ "العنصر البشري في البحرية اللبنانية يشكّل نقطة قوة أساسية، إذ إن ضباطها وجنودها من حملة الشهادات والخبرات البحرية التي اكتسبوها في دول أجنبيّة وعربية، ويتمتعون بالكفاءة العلمية والمهنيّة اللازمة لأداء مهامهم"، شارحاً أنّ "العِلم البحري واحد في مُختلف دول العالم، ما يسهّل التعاون بين القوات البحرية من جنسيات مختلفة، ويجعل المناورات والتدريبات المشتركة أكثر فاعلية".

تعاونٌ مع "اليونيفيل"... وماذا بعدها؟


أما في ما يتعلّق بالتعاون مع "اليونيفيل"، فيوضح رعيدي أنّ "هذه القوة ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في تجهيز القوات البحرية اللبنانيّة بالمراكب والمعدّات، كما قدّمت دول عدة، بينها الولايات المتحدة وألمانيا، مراكب للقوات البحرية"، متحدّثاً عن "وجود تدريبات ومناورات وعمليات دوريّة مشتركة بين البحرية اللبنانيّة و"اليونيفيل"، تشمل البحث والإنقاذ، حماية الصيادين، مراقبة السّفن الداخلة والخارجة، دهم السّفن واعتراضها، والصعود إلى السّفن المدنيّة للتفتيش والزيارة، سواء برضى القبطان أو في بعض الحالات من دونه، إضافةً إلى تعاونٍ مع القوات الجويّة اللبنانيّة لتنفيذ عمليات إنزال على متن سفن مُخالفة للقوانين اللبنانيّة".


وفي ضوء الحديث عن مستقبل "اليونيفيل" في لبنان، يلفُت رعيدي إلى أنه "إذا انتهت مهمة القوات الدوليّة، فإنّ دور القوة البحريّة التابعة لها سيُلغى حكماً، وستعود المراكب إلى الدول التي أرسلتها. عندها، سيُصبح الحفاظ على المياه الإقليميّة والمناطق البحرية اللبنانيّة مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة والجيش اللبناني عبر القوات البحريّة حصراً"، ما يفرض، بحسب رعيدي، البحث الجدي من الآن في كيفيّة تمكين البحرية اللبنانيّة من القيام بهذا الدور كاملاً، سواء على مستوى العتاد أو التّدريب أو التمويل.


لم يعد البحر في لبنان مجرّد امتياز جغرافيّ، ففي زمن تكثُر فيه الحروب والتّهديدات الداخليّة والخارجيّة، أصبحت المياه جزءاً من معادلة السيادة وبسط الدولة لسلطتها على كامل أراضيها وبحرها. من هنا، تقف البحرية اللبنانية اليوم أمام دور يتجاوز بكثير حماية الشاطئ والمرافئ، ليصل إلى حماية الأمن الغذائي والطاقة والثروة البحرية والحدود، في لحظة إقليمية حساسة جدّاً قد يتحوّل فيها "أيّ بحر" الى جبهة قائمة بحدّ ذاتها.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى