سوق العمل: خسائر تتسع وأرقام غائبة

كتبت رماح هاشم في صحيفة نداء الوطن:

يُشكّل سوق العمل أحد أبرز المؤشرات التي تعكس واقع الاقتصاد وقدرته على توليد فرص العمل وتحقيق النمو المستدام، إلا أن قراءة هذا المؤشر في لبنان باتت أكثر تعقيدًا في ظل غياب البيانات الرسمية الدورية التي تسمح بتقييم دقيق لمستويات البطالة وحركة التوظيف. بين التحديات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد والتداعيات المتراكمة للأزمات المتلاحقة، تزداد الحاجة إلى مؤشرات علمية وموثوقة تساعد على رسم صورة واقعية عن أوضاع اليد العاملة في البلاد.

في وقت يواجه فيه الاقتصاد اللبناني ضغوطًا إضافية نتيجة التطورات الأمنية وتراجع النشاط في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية، تبرز التساؤلات حول حجم التأثير الفعلي لهذه المتغيرات على سوق العمل ومستويات الدخل وفرص التوظيف. غير أن غياب المسوحات الدورية والبيانات الرسمية يجعل أي مقاربة لهذا الملف عرضة للتقديرات المتباينة، ما يسلط الضوء على أهمية الإحصاءات الاقتصادية الدقيقة كشرط أساسي لوضع السياسات واتخاذ القرارات الاقتصادية السليمة.

غياب البيانات

في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي نسيب غبريل أن "أحد التحديات الأساسية في مقاربة الاقتصاد اللبناني تكمُن في غياب البيانات الدورية المتعلقة بسوق العمل"، مشيرًا لـ "نداء الوطن"، إلى أن " أول مسح عن سوق العمل في لبنان جرى في الفترة الممتدة بين نيسان 2018 و آذار 2019، بينما آخر الأرقام الرسمية الخاصة بالبطالة صدرت في عام 2022، ومنذ ذلك الحين لم تُنشر أي إحصاءات رسمية جديدة".

ويؤكد أن "بعض الأرقام التي تُتداول عبر وسائل الإعلام تبقى موضع شك من حيث مصادرها والمنهجية المعتمدة في إعدادها، ما ينعكس سلبًا على شفافية الاقتصاد اللبناني وعلى قدرة السلطة التنفيذية على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة".

يعتبر غبريل أن "هذا الواقع يجب أن يشكل حافزًا للسلطات من أجل تعزيز قدرات إدارة الإحصاء المركزي، الجهة الرسمية المكلفة بإصدار هذه البيانات، والتي سبق أن أنجزت المسوحات الخاصة بسوق العمل في عامي 2019 و2022"، مُشدّدًا على "أهمية إجراء مسح دوري كل ثلاثة أو ستة أشهر لرصد تطورات البطالة وسوق العمل"، لافتًا إلى أنه "في الولايات المتحدة تصدر بيانات البطالة بشكل شهري وتتقاعل الأسواق المالية السلطات النقدية والقطاع الخاص مع هذه النتائج، فيما تعتمد العديد من الدول العربية إصدار هذه المؤشرات بصورة فصلية، نظرًا لأهميتها البالغة في قياس الأداء الاقتصادي".

يتابع: "أن غياب هذا المؤشر يفسح المجال أمام صدور أرقام وتصريحات غير واضحة الأسس، بعضها يحمل طابعًا شعبويًا وسياسيًا أو يهدف إلى التهويل، فيما يستند بعضها الآخر إلى معطيات مجتزأة مرتبطة بقطاعات محددة، الأمر الذي يجعل من الصعب تكوين مقاربة شاملة وموضوعية لسوق العمل في لبنان".

انعكاس الحرب

يؤكد غبريل أن "الحرب الدائرة اليوم انعكست سلبًا على الاقتصاد اللبناني بمختلف قطاعاته، بما فيها سوق العمل". ويعطي مثالا على ذلك من "خلال التوقعات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب، والتي أشارت إلى إمكانية تسجيل موسم سياحي واعد يبدأ مع أعياد الفطر والفصح والأضحى، إضافة إلى نشاط ملحوظ في سياحة الأعمال من خلال مؤتمرات إقليمية كان من المقرر تنظيمها في لبنان، فضلا عن عودة عدد كبير من المغتربين لإقامة حفلات الزفاف خلال فصل الصيف، على خلفية الاعتقاد بأن الأوضاع ستكون أكثر استقرارًا مقارنة بالعام الماضي".

ويشير إلى أن "هذه النشاطات كانت ستوفر فرص عمل موسمية لآلاف العاملين في مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة والسفر"، موضحًا أن "قطاع السياحة والسفر كان يؤمن في عام 2025 فرص عمل لأكثر من 400 ألف شخص حسب مجلس السفر والسياحة العالمي، إلا أن الأرقام المتوقعة لهذا العام ستكون مختلفة نتيجة تأثير الحرب على النشاط الاقتصادي، ولا سيما على القطاع السياحي الذي يُعد الأكثر تضررًا".

ويجدد التأكيد على أنه "لا يوجد حتى اليوم أي رقم جدي يستند إلى مسح علمي وموضوعي حول واقع سوق العمل في لبنان"، مشددًا على "ضرورة إجراء مسح دوري كل ثلاثة أشهر لتوفير بيانات دقيقة وموثوقة".

في المقابل، يرى أنه يُمكن الجزم بأن "سوق العمل تأثر بالحرب منذ شهر آذار الماضي"، مشيرًا إلى "نتائج مسح أظهر تراجع دخل شرائح واسعة من اللبنانيين بنسبة وصلت إلى 50 % أو أكثر، فيما سجلت فئات أخرى انخفاضًا تراوح بين 20  و50 %، في حين لم تتجاوز نسبة الذين حافظوا على مستوى دخلهم السابق نحو 19 %"، معتبرًا أن "هذه المؤشرات تعكس إحدى أبرز تداعيات الحرب على سوق العمل"، مؤكدًا في الوقت نفسه أن "بعض الأرقام المتداولة حاليًا تستغل الظروف القائمة من دون الاستناد إلى منهجيات علمية واضحة، ما يبرز أهمية إجراء مسوح ميدانية موثوقة".

أضاف: "أن المسح نفسه أظهر أن العمل توقف تمامًا لـ 24 % من اللبنانيين في شهر آذار وتوقف مؤقتًا لـ 13 % منهم، بينما استمر 16 % بالعمل جزئيًا و 18 % من المستطلعين أفادوا بأن عملهم لم يتأثر و هو مستمر كالعادة".

الجانب الاقتصادي

من الناحية الاقتصادية، يشير غبريل إلى أن "سوق العمل تأثر بشكل كبير في ظل وجود أكثر من مليون و200 ألف نازح، إضافة إلى إفراغ مناطق بأكملها، ولا سيما الجنوب، من سكانها الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، ما انعكس مباشرة على أوضاعهم المهنية وفرص عملهم".

أما في بقية المناطق، فيرى أن "التأثر بالحرب أمر متوقع، لكنه يتحفظ عن تحديد نسب أو أرقام دقيقة في غياب بيانات علمية موثوقة".

وانطلاقًا من ذلك، يشدد على "أهمية تعزيز الشفافية في الاقتصاد اللبناني ككل عبر إصدار المؤشرات الاقتصادية الأساسية غير المتوافرة حاليًا، وفي مقدمتها المؤشرات الدورية الخاصة بسوق العمل والبطالة". ويعتبر أن "هذه البيانات تشكل أدوات حيوية لاتخاذ القرارات من قبل السلطتين التنفيذية والنقدية، كما تساعد القطاع الخاص على إعداد خططه واستراتيجياته على المديين المتوسط والطويل".

انكماش

في الختام، يلفت غبريل إلى أن "الآمال كانت معلقة على فصل الصيف، ولا سيما على عودة المغتربين واستقطاب أعداد إضافية من السياح العرب والأجانب، إلا أن التطورات الأمنية الأخيرة غيّرت المشهد بالكامل". ويؤكد أن "استمرار الحرب يؤدي يوميًا إلى زيادة حجم الفرص الاقتصادية الضائعة"، مشيرًا إلى أنه في "مطلع العام كانت التوقعات تشير إلى إمكانية تحقيق نمو اقتصادي لا يقل عن 4 % خلال عام 2026، بينما تتحدث التقديرات الأولية اليوم عن انكماش يتراوح بين 8 و10 %، ما يعني أن الاقتصاد اللبناني يخسر فعليًا نسب نمو تتراوح بين 12 و15 %".

في المحصلة، لا يُمكن فصل واقع سوق العمل في لبنان عن المشهد الاقتصادي العام الذي يزداد تعقيدًا بفعل الأزمات المتراكمة والتطورات الأمنية الراهنة. وبينما تبدو انعكاسات الحرب واضحة على النشاط الاقتصادي وفرص العمل، يبقى غياب البيانات الرسمية والدورية العائق الأكبر أمام تكوين صورة دقيقة عن حجم الضرر الفعلي.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى