بين اسطنبول وبيروت... دراما وتاريخ وسياحة

كتبت كريستال النوار في موقع mtv:
تُعتبر تركيا وجهة مفضّلة لآلاف اللبنانيين. يقصدها بعضهم للسياحة وآخرون للعلاج أو الدراسة أو الاستثمار أو حتى للعمل. في المقابل، لا يزال لبنان يجذب الأتراك الذين يرون فيه بلداً مختلفاً بثقافته وانفتاحه وموقعه على المتوسط.
يُشير الصحافي والكاتب التركي حمزة تكين إلى "وجود مساحات واسعة للتعاون بين تركيا ولبنان، وهناك على سبيل المثال رغبة متبادلة بين اللبنانيين والأتراك لفتح خطوط نقل بحري سياحية وتجارية". ويتطرّق إلى السياحة، معتبراً في حديثٍ لموقع MTV أنّها ملف أساسي بين البلدين. ويوضح: "تُعتبر تركيا وجهة سياحيّة أساسيّة جدًّا للبنانيين لاعتبارات عدّة منها قلّة التكاليف، سهولة النقل الجوي، عدم الحاجة لتأشيرات مسبقة، وجود مشتركات ثقافية بين الشعبين، الجمال الطبيعي الموجود في تركيا والخدمات السياحيّة المميّزة". وتنطبق المعايير نفسها على سياحة الأتراك في لبنان، فوفق تكين "الكثيرون في لبنان لا يدركون حجم اهتمام شرائح واسعة من الشعب التركي بالسياحة في بلدهم، حيث يُعتبر بالنسبة إلى الأتراك من أجمل دول الشرق الأوسط، ودائماً ما يتحدّث الفنّانون والممثّلون الأتراك في مقابلاتهم عن جمال لبنان وطيبة أهله". ويرى أنّه "مع عودة الاستقرار الأمني في لبنان، سنشهد ازدهاراً في سياحة الأتراك في مختلف المناطق اللبنانية".
من جهة أخرى، أكّد تكين أنّه "يمكن لتركيا أن تؤدّي دوراً أساسيًّا في ملفّ إعادة إعمار المناطق المتضرّرة من الحرب في لبنان إذا توفّرت الظروف الملائمة"، لافتاً أيضاً إلى "وجود تعاون عسكري بمستوى جيّد بين الجيشين التركي واللبناني، إضافة إلى دعم تركي للجيش اللبناني في مجالات عدّة، مع سعي مستمرّ لتعزيز هذا التعاون".
كذلك، تقصّد الصحافي التركي التطرّق إلى الملفّ الإغاثي، قائلاً: "لا ننسى وقفة لبنان وشعبه وجيشه ودفاعه المدني إلى جانب تركيا بعد الزلزال المدمّر قبل 3 أعوام، حيث كان لبنان من بين أكثر الدول التي تحرّكت بشكل فوري لدعم المناطق المتضرّرة وإرسال فرق البحث والإنقاذ. وكنتُ موجوداً شخصيًّا في منطقة الزلزال وأشهد على جهود فريق الإنقاذ اللبناني بانتشال الأحياء من تحت الأنقاض".
تركيا أيضاً لا تترك لبنان، إذ تُعدّ من أكثر دول العالم إرسالاً للمساعدات الإنسانية لصالح الشعب اللبناني خلال الحربين الماضيتين بين عامي 2024 و2026. ويُتابع: "أتابع شخصيًّا جوانب كثيرة من العمل الإغاثي التركي في لبنان. فمثلاً، قمنا في الساعات الماضية بإيصال شحنة مساعدات إنسانية تركية جديدة وكبيرة، هي الخامسة عبر البحر خلال عامين، إلى مرفأ بيروت". ويُضيف: عادةً ما توزَّع هذه المساعدات للمتضرّرين بشكلٍ مباشر من الحرب أو حتّى لمَن يستضيف النازحين في بيروت أو البقاع أو الشمال، وهنا ترسل تركيا عبر مؤسساتها الإنسانية الحكومية أو الأهلية رسالة واضحة مفادها أن "تركيا تقف إلى جانب لبنان في الظروف الصعبة".
وعمّا يُقلق صنّاع القرار التركي بشأن لبنان، يعتبر تكن أنّ "هناك ملفات تثير القلق في تركيا، أهمها احتمال توسع اعتداءات إسرائيل، استمرار ضعف مؤسسات الدولة، عدم القدرة على الخروج من حالة الانهيار الاقتصادي الذي يؤثّر بشكل مباشر على الأمن الاجتماعي. كما تشعر تركيا بقلق من خطر تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على الساحة اللبنانية، وترى أن تدخّلات البعض في لبنان لم تكن إيجابيّة بل جلبت الضّرر لأجزاء واسعة من لبنان ولفئات كبيرة من اللبنانيين، لذلك تحرص تركيا على عدم لعب أي دور في لبنان بصورة مماثلة لصور تلك الدول، وتحرص على تعزيز قوة الدولة وبناء علاقات معها على قاعدة رابح رابح".
ويكشف أنّه "يتم ذكر لبنان بشكل يومي ومئات المرات في وسائل الإعلام التركية المرئية والمسموعة والمكتوبة، وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي، في كثير من المجالات مثل السياحة والاقتصاد والأهمية الاستراتيجية له، ولكن مع الأسف حاليًّا الحيّز الأكبر للبنان في الحديث الإعلامي التركي هو عن الحرب وأخبارها والضّرر الواقع على لبنان نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية". ويُعلن أنّه "بالحد الأدنى هناك برنامج تحليلي واحد كلّ يوم على إحدى القنوات التركية يتحدّث عن لبنان والتطوّرات فيه، وبالتالي هذا يوضح للشعب التركي أهمية هذا البلد وضرورة أن يكون لتركيا دورٌ ما فيه لوقف هذا الضرر".
كما يُشدّد الكاتب التركي على أنّ "أكثر فكرة خاطئة لدى بعض الأتراك عن لبنان، هي أنّ هذا البلد يعيش فقط على وقع الأزمات وأنه خاضع لإرادة سياسة هذه الدولة أو تلك، بينما الحقيقة أنّ لبنان يمتلك طاقات بشريّة كبيرة ونخباً اقتصادية وثقافية مؤثّرة في العالم، ويسعى ليكون مستقلاً بشكل حقيقي رغم الصعوبات".
وقد يندهش البعض عندما يسمع أنّ المطبخ يجمع الشعبين اللبناني والتركي، انطلاقاً من الأطباق المتشابهة وتفاصيل الحياة اليوميّة. حتّى الدراما التركية، لم تترك منزلاً لبنانيًّا إلا ودخلته من الباب العريض.
ورغم اختلاف المواقف السياسيّة أحياناً، بقيت العلاقة بين الشعبين أكثر هدوءاً؛ فالناس لا ينظرون إلى بعضهم من زاوية الخلافات الإقليميّة بقدر ما ينظرون إلى المصالح المشتركة وفرص العمل والسفر والتجارة والتعليم.
ربّما لهذا السبب، كلّما تبدّلت الظروف في المنطقة، يبقى الخطّ بين بيروت وأنقرة مفتوحاً... لأنّ العلاقات التي يبنيها الناس غالباً ما تعيش أكثر من العلاقات التي تصنعها السياسة.
