اهتزاز داخلي في إيران.. جناح متشدد يهدد بانهيار المفاوضات مع أميركا

يتشكّل داخل إيران تحالف واسع من قوى سياسية وعسكرية متشددة يسعى إلى تعطيل أي مسار محتمل لتقديم تنازلات للولايات المتحدة، التي يصفها هؤلاء بـ"العدو"، ما يعكس حجم الانقسام داخل بنية النظام.
ومنذ أكثر من 100 يوم، تُدار شؤون الدولة الإيرانية، المصنّفة من أكثر الأنظمة الدينية-العسكرية تشددًا في العالم، في ظل غياب شبه تام للمرشد الأعلى عن المشهد العلني، بالتزامن مع تحركات تقودها طهران باتجاه التوصل إلى اتفاق مع واشنطن.
غير أن تقريرًا لصحيفة "التلغراف" البريطانية يشير إلى أن النظام يواجه حالة تفكك داخلي، مع تصعيد يقوده متشددون داخل البرلمان والمؤسسة العسكرية لإفشال أي اتفاق محتمل، عبر خطوات تصعيدية تشمل زرع ألغام بحرية ومحاولات لاستدراج القوات الأميركية إلى ردود عسكرية خلال فترة تهدئة، بما يهدد بانهيار كامل للمفاوضات.
سلطة مطلقة
يقوم النظام الإيراني على تركيبة دستورية تجمع بين مؤسسات منتخبة شكليًا، وسلطة عليا بيد مرشد غير منتخب يحتكر القرار في الملفات الاستراتيجية. لكن ما يزيد تعقيد المشهد هو الغموض الذي يلفّ مسار المفاوضات، وسط نقص واضح في المعلومات الرسمية.
ويؤكد مسؤولون ومحللون داخل إيران أن معظم الجهات الحكومية لا تتلقى أي تفاصيل مباشرة عن مجريات المحادثات، وتكتفي بمتابعتها عبر وسائل الإعلام.
وتنقل "التلغراف" عن مسؤول إيراني قوله إن "لا أحد يعرف ما يجري فعليًا"، مشيرًا إلى أن المسؤولين "لا يطلعون إلا عبر التلفزيون على ما يحدث"، من دون معرفة ما يتم التنازل عنه أو تحقيقه في الواقع.
ديناميكية سامة
هذا الغياب في الشفافية، وفق الصحيفة البريطانية، خلق ما وصفته بـ"ديناميكية سامة"، حيث يملأ المتشددون الفراغ بتقديرات متشائمة تقوم على فرضيات صدامية. ويرى هؤلاء أن فريق التفاوض يقدم تنازلات تمسّ "ثوابت الثورة"، في حرب يعتبرون أن إيران حسمت جانبًا منها لصالحها.
كما تتصاعد الشكوك داخل الأوساط المحافظة بشأن احتمال قيام فريق الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بتمرير تفاهمات غير معلنة. وفي هذا السياق، برزت زيارة قاليباف إلى قطر برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي لإجراء محادثات في الدوحة، وسط أجواء من الالتباس، تزامنًا مع تصاعد الجدل حول ملف الأموال الإيرانية المجمدة بمليارات الدولارات.
وتشير مصادر قريبة من فريق التفاوض إلى أن قضية الإفراج عن هذه الأموال باتت شرطًا أساسيًا لأي تقدم، في ظل اتهامات لطهران لواشنطن بالتراجع عن التزامات سابقة، وإصرار إيراني على عدم توقيع أي اتفاق نهائي قبل استعادة المستحقات المالية.
خلف هذا المشهد، يبرز انعدام ثقة متجذر تجاه الولايات المتحدة، تغذّيه عقود من التوترات والصدامات، وتفاقم خلال فترات التفاوض السابقة.
خيانة "جوهر الثورة"
في الداخل، ينظر المتشددون إلى أي اتفاق محتمل مع واشنطن على أنه مساس بالمبادئ المؤسسة للنظام، ويصفونه بـ"خيانة جوهر الثورة" القائمة على رفض الهيمنة الأمريكية.
سياسيًا، حصل بيان داعم لفريق التفاوض على تأييد 261 نائبًا من أصل 290 داخل البرلمان، في مقابل رفض محدود من سبعة نواب محسوبين على التيار المتشدد المرتبط بسعيد جليلي وجبهة "بايداري"، الذين يعتبرون أي حوار مع واشنطن تجاوزًا للإرث السياسي للمرشد علي خامنئي.
أما عسكريًا، فيقف عدد من قادة الحرس الثوري في موقع معارض للمسار التفاوضي، مع دعوات متكررة للرد على الخسائر التي لحقت بهم. كما لقي هذا الموقف دعمًا إعلاميًا من صحيفة "كيهان" المقربة من مكتب المرشد، والتي طالبت بوقف المفاوضات بعد رفض واشنطن منح تأشيرة لوزير الخارجية عباس عراقجي للمشاركة في اجتماعات نيويورك.
الحرب في منتصف المفاوضات
وتفاقمت الأزمة عقب الضربات الأمريكية يوم الاثنين على جنوب إيران، عندما أعلنت القيادة المركزية تنفيذ "ضربات دفاعية" استهدفت مواقع صواريخ وقوارب إيرانية حاولت زرع ألغام قرب ميناء بندر عباس الاستراتيجي.
وردّ الحرس الثوري بإسقاط طائرة أمريكية من طراز MQ-9 وإطلاق النار على طائرتين من دون طيار ومقاتلة F-35 دخلت المجال الجوي الإيراني.
وقال مسؤول إيراني: "يتساءلون: لماذا ما زلنا نتحدث معهم بينما يقصفوننا؟ لقد دفعت الأحداث الأخيرة بعض الناس هنا إلى معارضة المحادثات بشكل أكبر".
وبدأ نواب في البرلمان يعلنون معارضتهم علناً، فقد حذّر النائب أمير حسين ثابتي من أن المحادثات ستؤدي إلى "اغتيال زعيمنا الجديد"، متسائلاً: "ألم تندلع الحرب في منتصف المفاوضات من قبل؟".
ووفق "التلغراف"، يكشف الشلل الحالي عن ضعف سلطة مجتبى خامنئي مقارنة بوالده، ما اضطره إلى تفويض شخصيات مثل قاليباف لحمايته من فضائح الفساد.
وفي تطور لافت، خرج القائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري من صمته هذا الأسبوع ليطلق إنذاراً نهائياً مفاده لا مفاوضات قبل انتهاء الحرب على كل الجبهات، ورفع كامل للعقوبات، وإطلاق الأموال المجمدة، ودفع تعويضات الحرب، والاعتراف بالسيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز.
