برّي ضدّ الشيعة!

كتب هشام بو ناصيف في صحيفة نداء الوطن:

تقوم شرعيّة زعامة نبيه برّي على سرديّة أنّ الشيعة كانوا محرومين بظلّ الجمهوريّة الأولى، حتّى صار هو رئيسا لمجلس النوّاب، فازدهر الجنوب. من الأساس، السرديّة خرافة تامّة لسببين: أوّلا، دخل جبل عامل الجمهوريّة الأولى منهكا بعد قرون من سيطرة العثمانيّين عليه، وحقّق مجتمعه تقدّما بظلّها. تطوّر أحوال الشيعة بلبنان سابق لنبيه برّي. ثانيا، منذ نهاية الحرب الأهليّة تعرّضت جيوب اللبنانيّين لمنهبة كبرى في ظلّ حكم منظومة عرّابها نبيه برّي. خسر الجنوبيّون ودائعم مثل سائر اللبنانيّين. العملة التي فقدت قيمتها، عملتهم هم أيضا. وإن كان برّي أدخلهم أفواجا في القطاع العام، فرواتبه المنهارة رواتبهم. نبيه برّي مدين للجنوبيّين بزعامته. الجنوبيّون غير مدينين له بشيء. 

ولكن لنضع كلّ ذلك جانبا، ونحاسب برّي عبر سرديّته هو. ألم يقدّم نفسه كباني الجنوب وقاهر "الحرمان"؟ حسنا. ماذا بقي من الجنوب الذي عمّره برّي؟ حرب الثأر للخامنئي أعادت الجنوب لبنان إلى الوراء على كلّ المستويات التنمويّة. لا ضرورة هنا لاستعادة ما يعرفه اللبنانيّيون عن عدد الضحايا، وحجم التدمير، وجرف القرى، وموجة النزوح. لو كان نبيه برّي يأبه فعلا بشيعة الجنوب، لكان ينبغي أن يكون صوته علنا ضدّ "حزب الله"، أعلى من صوت عتاة معارضيه. وبشكل أوضح: لو أنّ شيعة الجنوب هم لبرّي أكثر من أداة زعامة ودور، لكان رئيس "أمل" أوّل صوت يطالب "حزب الله" بتسليم سلاحه فورا للجيش اللبناني. ولكنّ هذا ليس ما يقوله برّي أو يفعله. خطاب برّي اليوم هو هذا: فلتوقف إسرائيل إطلاق النار، وأنا أضمن أن يلتزم "حزب الله" بالمثل. لا ضرورة لكثير معرفة بأحوال اسرائيل، ليفهم واحدنا لماذا سترفض عرض برّي. عمليّا، وقف إطلاق النار من دون سحب سلاح الميليشيا، لن يكون أكثر من فرصة لها لتضميد جراحها، في انتظار جولات أخرى آتية وفق التوقيت الإيراني. هل يظنّ برّي أن في امكانه التذاكي على إسرائيل، كما يتذاكى على اللبنانيّين منذ عقود؟ لو كانت الدولة العبريّة بهذه السذاجة، لما وصلت الى ما وصلت اليه من قوّة. 

آخر ورقة سياسيّة جدّيّة يملكها "حزب الله" في لبنان اليوم، هي وحدة الشيعة خلفه. بهذا يستطيع "الحزب" أن يزعم، كما زعم أحد نوّابه أخيرا، أنّ رفض سلاح الميليشيا استهداف لطائفة. نبيه برّي هو سبب وحدة الشيعة خلف السلاح. لو يقف برّي علنا ضدّ "حزب الله" يغيّر موازين القوى اللبنانيّة جذريّا، ويكرّس صورة الميليشيا بعد حرمانها من غطاء برّي، كزمرة مسلّحة أصوليّة معزولة بالسياسة المحليّة وتابعة لنظام أجنبي. لماذا يمنح برّي "حزب الله" ورقة وحدة الطائفة خلفه؟ هناك من يقول إنّ برّي خائف من أن يلقى مصير الشهيد رفيق الحريري لو تحدّى الميليشيا. وهناك من يقول إنّ برّي استفاد طويلا من إيران ومن الميليشيا، ولا مصلحة له تاليا بالتمرّد على ستاتيكو مناسب له تماما، ولو كان قاتلا للشيعة، ولاسيّما أنّ "حزب الله" يعرف ملفّات برّي جيّدا، وقادر على فتحها. وعموما، لا يتناقض التحليل الأوّل الذي يصوّر برّي كمرعوب معدوم الشجاعة، مع الثاني الذي يراه مستفيدا من الحزب. يمكن المحاججة أنّ برّي هو كلّ ذلك بآن. 

والحال أنّ حافظ الأسد حكم على جنوب لبنان بعقود من الحروب والمآسي يوم أسقط ١٧ أيّار. من كان أداته المحليّة آنذاك؟ نبيه برّي (ووليد جنبلاط). اليوم، تتابع إيران سياسة الأسد بإستخدام الجنوب على حساب أشلاء أهله. ويلعب برّي تجاه إيران دورا ذيليّا يحاكي دوره تجاه الأسد سابقا. آخر من آذى الجنوبيّين بالأمس، كما يؤذيهم تقاطع برّي/الحزب/إيران اليوم، كان يدعى أحمد باشا الجزّار.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى