بالأرقام: ملايين الدولارات خسائر الحرب على لبنان!

كتبت بولا أسطيح في صحيفة "الشرق الأوسط":

لا يلبث الاقتصاد اللبناني أن يلتقط أنفاسه حتى تداهمه أزمة جديدة تزيد من اختناقه وتفاقم أوضاعه الهشّة، إذ أتت الحرب الراهنة لتقضي على كل محاولات وخطط إنعاشه، وهو الذي لا يزال يعاني من تبعات الانهيار المالي الذي شهدته البلاد عام 2019، إضافة إلى تداعيات جائحة "كورونا"، ثم انفجار مرفأ بيروت وحرب 2023 – 2024.

وبعد فشل الحكومات المتعاقبة في إخراجه من أزمته البنيوية، جاء التصعيد العسكري الحالي ليزيد من تدهور الوضع الاقتصادي، ويعلّق مسار الإصلاح الذي حاولت الحكومة الحالية ترسيخه عبر صياغة قوانين وخطط تضعه على سكة التعافي.

ومنذ الأسبوع الأول للحرب، لجأت مؤسسات تجارية إلى تقليص ساعات عمل موظفيها إلى النصف سعياً لخفض الرواتب، في حين عمدت مؤسسات أخرى إلى الإقفال الكامل، عدا عن تلك التي تعرّضت للدمار في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب، ما انعكس مباشرة على أوضاع الموظفين، إذ لا يزال قسم كبير منهم يتقاضى أقل من نصف رواتب ما قبل عام 2019.

الخسائر 100 مليون دولار يومياً

ويصف أمين عام الهيئات الاقتصادية ورئيس جمعية "تجار بيروت"، نقولا شماس، تأثير الحرب الحالية على الاقتصاد المحلي بـ"الهائل"، خصوصاً في ظل التراكمات المستمرة منذ عام 2019.

ويشير شماس، في تصريح لـ"الشرق الأوسط"، إلى أنه "في عام 2025 بلغ النمو الاقتصادي 5 في المائة، لكنه جاء بعد تراجع بنسبة 7 في المائة عام 2024، ما يعني أن الانطلاقة كانت سلبية قبل أن تزيد الحرب الحالية من تفاقم الأوضاع".

ويضيف: "بحسب البنك الدولي، بلغت تكلفة الحرب السابقة عام 2024 نحو 14 مليار دولار، أي ما يعادل 225 مليون دولار يومياً، وبالتالي يمكن تقدير تكلفة الحرب الحالية بنحو 100 مليون دولار يومياً، تشمل الأضرار المباشرة للبنية التحتية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وكلفة الإيواء ومساعدة النازحين".

ويؤكد أن "أكثر القطاعات تضرراً هو قطاع السياحة، إضافة إلى قطاع السفر الذي تراجع بأكثر من 80 في المائة"، مشيراً إلى أن "نسبة إشغال الفنادق انخفضت إلى أقل من 10 في المائة، مع تراجع حاد في قطاعات تأجير السيارات والشقق المفروشة والمنتجعات السياحية"، لافتاً إلى أن "القطاعين الصناعي والتجاري تراجعا أيضاً، بنسبة تقارب 50 في المائة".

وحذّر شماس من أنه "في حال استمرار الحرب، قد يتحول النمو الاقتصادي إلى انكماش يصل إلى 10 في المائة".

انكماش بنيوي

من جهته، يشير الخبير الاقتصادي، البروفسور جاسم عجاقة، إلى أن "الحرب أدت إلى تحول الانكماش من نقدي إلى بنيوي، ففي ظل الدولرة الشاملة، لم تعد الصدمة تظهر في انهيار العملة، بل في شلل الحركة الاقتصادية وارتفاع التكاليف التشغيلية".

ويكشف عجاقة، في حديث لـ"الشرق الأوسط"، عن "خسائر إجمالية تُقدّر بنحو 15 مليار دولار للحرب الماضية والحالية، وفق تقديرات البنك الدولي والمؤسسات البحثية لعام 2026".

ويضيف أن "ارتفاع سعر خام برنت إلى أكثر من 115 دولاراً أدى إلى زيادة كلفة الإنتاج والخدمات المدولرة بنسبة تفوق 40 في المائة، ما انعكس تآكلاً في هوامش أرباح الشركات والمصانع".

ولفت إلى أن "القطاع الزراعي يُعد الأكثر تضرراً، حيث بلغت خسائره نحو 2.5 مليار دولار نتيجة تدمير الأراضي وتوقف سلاسل التوريد"، مشيراً إلى أن "القطاع السياحي سجل تراجعاً في الإيرادات بنسبة 74 في المائة مقارنة بموسم 2024".

كما أوضح أن "بيانات مصرف لبنان تُظهر تماسكاً نسبياً في الأصول الخارجية عند نحو 12.07 مليار دولار، نتيجة الاستثمار في أوراق مالية أجنبية سائلة"، محذراً من أن "استمرار الحرب وارتفاع أسعار النفط قد يؤديان إلى استنزاف هذه الأصول لتغطية الاستيراد، ما يهدد الاستقرار المالي في النصف الثاني من العام".

آخر الأرقام

وأشار عجاقة إلى أن "نحو 30 في المائة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أغلقت أبوابها نهائياً بحلول الربع الأول من عام 2026، بسبب عجزها عن تغطية التكاليف التشغيلية".

أما المؤسسات التي لا تزال صامدة، فقد اعتمدت نظام "إدارة التدفق النقدي الطارئ"، حيث لجأت إلى دفع "نصف راتب" أو رواتب مقطوعة بالدولار لا تتجاوز 40 في المائة من قيمتها السابقة.

وفي ما يتعلق بسوق العمل، ارتفعت نسبة البطالة إلى ما بين 46 و48 في المائة، وهو ارتفاع يعود، بحسب عجاقة، إلى إقفال المؤسسات من جهة، وعدم قدرة القطاعات الإنتاجية على تحمّل كلفة اليد العاملة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج من جهة أخرى.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى