بارونات الوقود في بيروت

لندن – زينب الخطيب

نائب مدير مركز "الفكرة" العربي للأبحاث والتقديرات الاقتصادية والباحثة الاستراتيجية المقيمة في لندن

لا يعمل نظام استيراد الوقود في لبنان بكفاءة، بل يعمل كما صُمّم له أن يعمل. تشكّل عبر شبكة ضيقة من شركات التجارة والشخصيات السياسية ومؤسسات الدولة، لخدمة مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة. هذه قصة كيف نشأ هذا النظام، ولماذا بقي بلا مساءلة.

بساطة في الشكل، تعقيد في الجوهر

يعتمد قطاع الكهرباء في لبنان بشكل شبه كامل على الفيول المستورد. تمر الشحنات عبر هياكل شراء مرتبطة بمؤسسة كهرباء لبنان (EDL)، الجهة الحكومية المسؤولة عن إبقاء مولدات البلاد تعمل. نظريًا، يبدو النظام بسيطًا: عقود على مستوى الدولة، وشركات خاصة تؤمّن التوريد، وإشراف حكومي على الشراء. أما عمليًا، فقد أنتجت هذه الطبقات من الرقابة نتيجة معاكسة تمامًا: تركيز السلطة بدل توزيعها.

وزارة الطاقة تلعب هنا دورًا محوريًا. تتحكم في الشراء، وتشكّل السياسات، وتؤثر في هيكلة العقود، وترسم علاقة الدولة بالمورّدين. البيئة التجارية التي تعمل فيها الشركات لا تنفصل عن السلطة السياسية، بل تنبثق منها.

أسماء تتكرر، عقود لا تنقطع

في قلب هذه البنية تتكرر مجموعة محدودة من الأسماء. أبرزها شركة BB Energy، شركة لبنانية لتجارة النفط مملوكة لعائلة البساتنة ومسجّلة في دبي. لسنوات، كانت القوة الفعلية خلف واردات الوقود اللبنانية، تعمل تحت مظلة سوناطراك، شركة النفط الجزائرية الحكومية التي تحمل العقد الرسمي مع الدولة اللبنانية. حين انتهى هذا الترتيب، دخلت شركة ZR Energy DMCC لتؤدي الدور ذاته. تغيّر العقد، لكن الآلية بقيت على حالها.

بيانات الشحن وسجلات الشراء تضع BB Energy في قلب منظومة الاستيراد: شحناتها كانت تغذي مولدات الكهرباء مباشرة. وشراء الوقود هو واحد من أضخم بنود الإنفاق العام في البلاد، أي أن المال العام كان يتدفق عبر هذه الشبكة مباشرة.

سوق الوقود لا يقوم على المنافسة، بل على تحالف ثلاثي

شراء حكومي، وشركات خاصة، وغطاء سياسي. ولم تكن BB Energy وعائلة البساتنة على هامش هذا التحالف، بل في صلبه.

تتجلى هذه العلاقات بوضوح في السجلات التجارية. وليد جنبلاط، أحد أبرز السياسيين في لبنان، شارك في تأسيس شركتي COGICO وLevant Oil المرتبطتين بـBB Energy، ويمتلك حصصًا فيهما. وتربطه علاقة طويلة الأمد بعائلة البساتنة، مما يعكس تداخلًا مباشرًا بين النفوذ السياسي والنشاط التجاري.

أما جبران باسيل، وزير الطاقة السابق بين 2009 و2014، فقد جدّد عقد سوناطراك–BB Energy مرات عدة دون مناقصة مفتوحة. وفي عام 2019، تلقى 20 ألف دولار من الشركة مقابل ترتيب اجتماعات مع مسؤولين أمريكيين. من يملك الغطاء السياسي يملك العقد، ومن يملك العقد يملك السوق.

المحكمة تتكلم، والمساءلة تغيب

في 10 تموز\يوليو 2020، صدر حكم قضائي في تجارة الوقود كشف عن مخالفات جسيمة: خلل في جودة الوقود، تلاعب بإجراءات الفحص، تزوير وثائق، رشاوى، واحتيال ممنهج. وصف الحكم هذه الممارسات بأنها "منظمة وقائمة منذ زمن طويل". طالت الاتهامات مؤسسة كهرباء لبنان، ووزارة الطاقة، وسوناطراك، وبشير البساتنة، وBB Energy، وجبران باسيل، ووليد جنبلاط، وZR Energy

لم تُفضِ هذه التحقيقات إلى محاسبة فعلية. الحماية السياسية أقوى من القضاء.

من يدفع؟

هذا النظام يوفّر مكاسب لفئة محدودة من الشركات والسياسيين. لكن ثمنه لا يدفعه هؤلاء. يدفعه من يقف في طوابير الوقود.

في ظل أزمات متراكمة وانهيار اقتصادي، لا تبدو أزمات نقص الوقود أو التلاعب بالأسعار أحداثًا استثنائية. هي نتائج متوقعة لنظام صُمّم منذ البداية ليخدم قلة محددة، ويُحمّل الباقين فاتورة استمراره.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى