النافعة Before&After... عام على "ورشة الإصلاح"

كتبت فتات عيّاد في صحيفة نداء الوطن:

زار وزير الداخلية أحمد الحجار مصلحة تسجيل السيارات والآليات، أو "النافعة"، في الدكوانة و"ضحكته شبر"، بعد قرابة عام على زيارته مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لها، مواكبة لإطلاق إدارتها الخطة الإصلاحية في مرفق عام، شكّل لعقود "نموذجًا" عن فساد الإدارة العامة... هذه الزيارة وتعابير وجه الوزير كفيلة وحدها بالإجابة عن سؤال: النافعة Before & After.

"مش بكبسة زرّ" يحصل التغيير، عبارة لرئيس مصلحة تسجيل السيارات والآليات بالتكليف، العميد نزيه قبرصلي، الذي كُلّف بمهمة الإصلاح في النافعة، في مقال لـ"نداء الوطن" لدى إطلاق الخطة الإصلاحية منذ عام.

عام واحد من الإصلاح كان كفيلًا بإنجاز مستويين من الخطة الإصلاحية: القريب، والمتوسط، فيما وُضع المدى البعيد بالفعل على السكة، مع دفتر الشروط الجديد لتلزيم نظام تسجيل السيارات ومنح رخص السوق وتجديدها، ولتكون "ورشة الدهان" في مباني نافعة الدكوانة اليوم مشهد "تغيير خارجي"، ليس في حقيقته إلا انعكاسًا لـ"تغيير داخلي" جذري، يرتقي إلى "إعادة هيكلة" ليس النافعة وحسب، بل فكرة الإصلاح نفسها في مؤسسات الدولة. والأهم هو استعادة ثقة المواطن اللبناني بأن إصلاح الإدارة اللبنانية ليس مستحيلًا!

فالإصلاح بالشكل يظهر بـ"طلاء" غرف أرشيف ملفات المواطنين المهملة، والتي أكلها العفن. أما بالمضمون، فلا يكتفي بمكننة الأرشيف ومكافحة الفساد، بل يذهب إلى تكريس دفتر شروط يبعد المواطن جذريًا عن الوكيل والموظف، وصولًا إلى المكننة الشاملة، لتصبح الخدمة نفسها متاحة "بكبسة زرّ"!

فما تفاصيل دفتر التلزيم؟ وكيف أصبح المواطن "أولوية" في النافعة؟ ولماذا نجح الإصلاح فيها في عام، رغم بناء نظام الانهيار فيها طيلة عقود؟

المواطن أولًا!

لم تكن زيادة الإيرادات في النافعة مرة ونصف مرة، سيما بعد تطبيق اللامركزية الإدارية فيها، إلا نتيجة للإصلاحات الإدارية الجذرية على المستوى القريب، والتي كانت نتائجها تتظهر شهرًا تلو الآخر، ليصل اليوم عدد المعاملات إلى 2000 و2500 معاملة يوميًا، أكثر من نصفها في الدكوانة وحدها، ما يعني أن الترهل الإداري ونظام الفساد الذي كان قائمًا قبلًا بين الموظف والمواطن والسمسار، إنما كان يتسبب بخسائر في أرباح النافعة تتكبدها الدولة، وخسائر بالأموال، ويتكبدها المواطن بجودة الخدمة التي تمر عبر "واسطة" أو انتظار طويل و"إذلال" أكبر!

تدخل مدخل نافعة الدكوانة اليوم، كمواطن يريد إجراء معاملته بنفسه، فتجد صفين منفصلين للمشاة ينظمان دخولك، عوض مشهد التهافت من كل حدب وصوب عبر البوابة سابقًا بلا تنظيم: اليوم هناك صف مخصص للمواطن، وصف مخصص للوكيل الذي وكّله مواطن لإجراء خدمة عنه.

بعد دخولك، وإن توجهت إلى مبنى السيارات الخصوصية، المبنى رقم 3، حيث ضغط المعاملات الأكبر، ستجد صفين منفصلين أيضًا، واحدًا للمواطن وآخر للوكيل، من ضمن سياسة "جعل خدمة المواطن الذي يقوم بخدمته بنفسه أولوية". سياسة تصل إلى جعل نظام الحجز عبر الدور الـ

queueing system نفسه، يعطي المواطن، صاحب العلاقة، أولوية بالرقم على السيستام، حتى ولو كان قبله بالدور عدة وكلاء.

على الشباك في هذا القسم، سيأتي دورك في مدة أقصاها 10 دقائق في أشد الحالات زحمة. وستجرى المعاملة في دقائق. أي أن زيارة النافعة لإجراء خدمتك لن تستغرق أكثر من نصف ساعة على أبعد تقدير.

الأهم من كل ذلك، أنك لن تدفع "قرشًا" لأي موظف للمرور ضمن "خط عسكري"، حيث هناك وحدة تحقيقات داخلية ثابتة لمكافحة الفساد والرشى، استحدثها العميد قبرصلي منذ تعيينه، ولأن النظام الذي حسّن سير العمل workflow، عبر متابعة الثغرات وإصدار عشرات التعاميم لمعالجتها، هو نفسه ألغى الحاجة إلى الوساطة، ما انعكس تنظيمًا وتسريعًا لوقت المعاملة وانتفاء مسببات الرشى.

أما إذا كنت تريد الكشف على سيارتك، فأيام طابور السيارات التي كانت تقفل الشارع المؤدي إلى النافعة في الدكوانة منذ الرابعة فجرًا ولّت، ليس لأن  لا حجز إلا عبر منصة الحجز أونلاين tmo.gov.lb فحسب، بل لأن المواطن نفسه بات يثق بأن "أحدًا لا يمر إلا في موعده"، فصار يأتي "على الموعد"، ويدخل "على الموعد"، في مرفق عام لبناني، "ماشي متل الساعة".

وكانت "نداء الوطن" واكبت في مقالات عدة مراحل الخطة الإصلاحية ومحاولات عرقلتها من المتضررين، وفي طليعتهم السماسرة الذين ألغى قانون السير الجديد مهنتهم، لكنهم يعملون تحت غطاء عمل "الوكيل".

منذ عام مثلًا، شكّل الإصلاح في منصة حجز المواعيد tmo.gov.lb علامة فارقة: على مستوى الفساد، أوقف كل المواعيد "من خارج المنصة".

أما على مستوى معالجة ثغرات التحايل على المنصة من السماسرة، وأبرزها "الهجمة" منهم لحجز المواعيد، ما أقفل عدة خدمات في بوجه المواطن في غضون دقائق من فتح المنصة، واضطراره إلى "شراء" موعد من سمسار، أوهمه أن لديه طاقات سحرية للحجز السريع أكثر منه، فمن خلال التقييم المستمر، والتغييرات التي وضعت المواطن أولوية، ولّت كل أساليب التلاعب هذه، ولاسيما مع فصل المواطن عن الوكيل بكوتا خاصة لحجوزات المواطنين، ما جعل كل الخدمات متاحة.

أما اللامركزية الإدارية، ولو ما زالت جزئية وتتوسع تدريجيًا، فقد سهّلت حياة المواطنين بشكل كبير. فالكشف على السيارة في طرابلس وتسجيلها في بيروت بات ممكنًا، وهذه خدمة من بين عشرات الخدمات "اللامركزية" اليوم.

إلا أن الانتقال إلى اللامركزية الشاملة يبقى رهن تطبيق المكننة الشاملة للأرشيف، وإتاحة الخدمات "أونلاين". فعدم مكننة الأرشيف إلى اليوم، وكونه لا يزال "فيزيائيًا" غير ممكنن، و"مركزيًا"، يجعل اللامركزية جزئية، لضمان عدم حصول أي فوضى في الأرشيف وملفاته.

نحو المكننة الشاملة

صحيح أن خدمة البريد أونلاين نقلت الإصلاح في النافعة إلى المدى المتوسط، لكن بقيت الخطوة الأصعب والأشمل والأبقى، ألا وهي دفتر الشروط الجديد لتسجيل السيارات ومنح رخص السوق وتجديدها، والذي أطلق في 27/2/2026 وحظي بموافقة وزارتي المال والداخلية، وهيئة الشراء العام، على أن تتقدم الشركات بطلباتها ضمن مهلة أقصاها 11/6/2026، أي حزيران المقبل. فدفتر الشروط هذا سينقل النافعة إلى المكننة الشاملة.

علمًا بأن 13 شركة شاركت في الزيارة الإلزامية للاطلاع على طبيعة عمل "النافعة"، لتختصر لائحة الشركات المهتمة بالتقديم بها. من بين هذه الشركات، وفق معلومات "نداء الوطن"، شركات دولية.

من جهته، كشف الحجار خلال زيارته "النافعة" السعي إلى تكافؤ الفرص، بلئلا يكون هناك أفضلية لشركة على أخرى، إذ إن دفتر الشروط "مش مقيّس ع قياس حدا"، مشددًا أنّ "الهدف الاستراتيجي فصل المواطن عن الموظف ومعقّب المعاملات". فماذا عن تفاصيل دفتر الشروط؟

يشكل دفتر الشروط نقلة نوعية نحو المكننة الشاملة، وتحويل الخدمات "أونلاين". وبحسب معلومات "نداء الوطن"، سيتيح النظام الجديد تسجيل السيارات، وإصدار رخص السوق ورخص النقل، ومنح شهادات أنقاض، ومنح صكوك التخصيص، كلها "أونلاين".

وبعكس الخطة الإصلاحية التي لم تحصل بكبسة زر، واحتاجت عامًّا للدخول في المدى البعيد منها، بعد عقود من الفساد والترهل المؤسساتي، فإن الخدمات حرفيًا ستصبح متاحة "بكبسة زر".

أما الخدمات غير المتاحة "أونلاين"، فستكون محدودة جدًّا، وهي تتطلب بطبيعتها حضور المواطن، مثل الكشف على السيارة، وامتحان السوق، والسيارات الموضوعة عليها إشارة.

مكافحة الفساد ومسبباته

الإصلاح في "النافعة"، طول السنة الجارية، سار بالتوازي بين ورشتين: ورشة تنظيم البيت الخارجي، أي التحسينات الإدارية وترقية جودة خدمة المواطن، وورشة داخلية عبر مكافحة الفساد.

وساعدت خبرة العميد قبرصلي الأمنية، الآتي من رئاسة تحري بيروت، في قيادة أكثر من 50 تحقيقًا، انقسمت بين تحقيقات عدلية ومسلكية داخل الإدارة لموظفين، ووصلت إلى سماسرة، كما امتدت مكافحة الفساد إلى إقفال مكاتب سوق غير مستوفية للشروط.

اليوم، روحية الموظفين نفسها بدأت تتغير، بعدما كان موظف "النافعة" يراها "دجاجة تبيض ذهبًا" من الرشى، إلى عمل مقابل أجر، وإلا فالملاحقات العدلية والمسلكية.

في المقابل، تسعى إدارة "النافعة" إلى تحسين رواتب الموظفين من خلال مكافآت مالية، وعلمت "نداء الوطن" أن هذا البند سيضعه قريبًا وزير الداخلية أحمد الحجار على طاولة مجلس الوزراء.

النافعة نموذج للإصلاح

من جهته، أرجع وزير الداخلية أحمد الحجار الإصلاح في "النافعة" إلى "الإرادة والقرار" على أعلى المستويات، مذكّرًا بزيارته والرئيس عون للـ"المؤسسة" منذ عام.

الحجار، الذي يصر على أن"لا وسيط ولا واسطة ولا رشوة"، وبأن الهدف هو "ما يوقف المواطن ناطر ولا دقيقة"، لمّح إلى حملات ظالمة لمتضرّرين من الإصلاح، مقرًّا بأن طريق الإصلاح شائك.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إصلاح هذا القطاع لحظته الخطة الاستراتيجية لوزارة الداخلية لمرحلة 2025 و2028، وهو ما يظهر أن الإصلاح لم يكن قرارًا وإرادة فحسب، بل منهجًا متكاملًا، لا يظهر على أوراق الحلول والاستراتيجيات، ولا على مبنى "النافعة" "المدهون" حديثًا باللون الأبيض، ولا في غرفة الأرشيف المطلية والمنظفة، بعدما وصل إليها العفن، بل إنه يظهر على "ابتسامة" المواطن اللبناني، وهو فخور بإنجازه معاملة في إدارة أعادت له الثقة بدولة المؤسسات في لبنان، وبأن هناك من سهر في الحكم والإدارة عامًّا واحدًا، لإصلاح فساد أعوام!

هكذا شارف قطار الإصلاح في "النافعة" الذي "انطلق بدعم من رأس الهرم ولن يتوقف، ما حدا فيه يوقف بوجّه... وماشي فوق الكل"، وفق قول العميد قبرصلي منذ عام في مقابلته لـ"نداء الوطن"، على الوصول إلى المحطة الأخيرة، وهي التلزيم الجديد نحو "المكننة الشاملة".

تلزيم تكمن أهميته في تكريس نظام كامل يبعد المواطن عن الموظف والسمسار، ليقتلع أسباب الرشوة، ويحصّن المواطن والإدارة منها، ويضع لبنان في مسار الدول التي تعتمد الحوكمة الرقمية، لتكون "النافعة" نافعة ليس في خدمة المواطن فحسب، بل في تكريس نموذج إدارة قابلة للإصلاح، في بلد يتوق فيه المواطن إلى دولة المؤسسات.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى