هل يستسلم حزب الله... أم تستسلم الدولة؟

كتب سعد شعنين في موقع mtv:
لا تراهنوا على أن يستسلم «حزب الله» لعقيدة الدولة من تلقاء نفسه، أو أن يتخلى طوعاً عن سلاحه وقراره العسكري تحت وطأة الخسائر والضغوط. فالتجربة أثبتت أن الرهان على تبدّل قناعات الحزب بفعل الحروب وحدها قد يكون وهماً سياسياً، وأن انتظار مراجعة ذاتية تنهي ازدواجية السلاح والقرار قد يمنح الأزمة مزيداً من الوقت، فيما يدفع لبنان أثمانها من استقراره وسيادته ومستقبله.
حين يرفع الحزب شعار «نقاوم ونستشهد لكن لا نستسلم»، فإنه يعلن تمسكه بنهج لا يبدو أن الخسائر وحدها قادرة على تغييره. ولذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان الحزب سيقتنع بالتخلي عن سلاحه، بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية تمتلك الإرادة والقدرة على استعادة قرارها السيادي، ووضع حد لواقع تتعايش فيه سلطة دستورية مع قوة عسكرية تحتفظ بقرار مستقل.
المشكلة ليست في اختلاف سياسي يمكن احتواؤه بالحوار، بل في اختلال جوهري في مفهوم الدولة نفسها. فلا يمكن قيام دولة مكتملة السيادة فيما يملك طرف سياسي حق تحديد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، وما إذا كان لبنان يدخل مواجهة إقليمية أو يبقى خارجها. ولا يمكن الحديث عن استقلال القرار الوطني فيما تتقدم حسابات المحاور على مصالح اللبنانيين وأمنهم ومستقبلهم.
لكن قيام الدولة لا يتحقق بالشعارات المضادة، ولا بالمواقف المتشددة التي لا تملك أدوات التنفيذ، ولا بانتظار لحظة انهيار لدى الحزب. الدولة تحتاج إلى قرار سياسي واضح، ومؤسسات قادرة، وجيش يمتلك الإمكانات والصلاحيات، ورؤية وطنية لا تجعل السيادة موضوع مساومة أو تسوية مؤقتة. كما تحتاج إلى موقف لبناني جامع يرفض أن يكون السلاح بديلاً من الدستور، أو أن تتحول قوة أي فريق إلى حق في تقرير مصير الجميع.
إن استعادة السيادة ليست إعلان مواجهة مع بيئة لبنانية أو استهدافاً لجماعة، بل إعادة الاعتبار إلى مفهوم المواطنة، حيث تتساوى الحقوق والواجبات، ويكون القانون مرجع الجميع، وتكون حماية اللبنانيين مسؤولية الدولة وحدها. ومن هنا، فإن أي مسار لإنهاء ازدواجية السلاح ينبغي أن يكون جدياً وقابلاً للتنفيذ، ضمن خطة واضحة تضمن الأمن والاستقرار وتمنع الانزلاق إلى صدام داخلي.
قد لا يتراجع «حزب الله» عن عقيدته اليوم، وقد لا يغيّر حساباته غداً، لكن ذلك لا يمنح الدولة مبرراً لتأجيل مسؤولياتها. فالسيادة لا تُستعاد بانتظار اقتناع من ينازعها، بل ببناء سلطة قادرة على ممارستها، وبقرار وطني لا يخضع للترهيب أو الابتزاز أو حسابات الخارج.
لا تراهنوا على أن يستسلم حزب الله لعقيدة الدولة من تلقاء نفسه، بل راهنوا على قيام دولة لا تستسلم أمام أي سلاح خارج سلطتها. فلبنان لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى انتصار الدولة على منطق الدويلات، وإلى وطن لا يملك فيه أحد قرار الحرب منفرداً، ولا يدفع فيه اللبنانيون ثمن حروب لم يختاروا خوضها
