الأمن تحت سلطة الدولة: اختبار الجهوزية واستعادة الثقة

لم يعد الأمن في لبنان مسألة إجرائية محصورة في منع الجرائم وملاحقة مرتكبيها، بل أصبح جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة قدرتها على فرض القانون وحماية المجتمع وصون الاستقرار في مرحلة شديدة الخطورة، فالتحديات التي تواجه البلاد تتجاوز المخاطر الأمنية التقليدية، لتشمل تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واحتمالات استغلال الاحتقان الشعبي، فضلاً عن التوترات التي تفرضها الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار الاحتلال في أجزاء من الأراضي اللبنانية. وفي ظل هذا الواقع، تكتسب المقاربة الأمنية الشاملة أهمية مضاعفة، لأنها ترتبط بقدرة المؤسسات على منع الانزلاق إلى الفوضى، وترسيخ مبدأ أن الأمن مسؤولية الدولة وحدها، وأن حماية المواطنين لا تستقيم إلا من خلال مؤسسات شرعية تعمل ضمن منظومة متكاملة.
ويقول مصدر سياسي لـ"وكالة أخبار اليوم" إن "التشدد في تطبيق القوانين، ومنع المظاهر المسلحة غير المشروعة، ومصادرة الأسلحة والذخائر المخالفة، وتسريع التحقيقات وإحالة المتورطين إلى القضاء، تشكل حلقات مترابطة في مسار تثبيت سلطة القانون. ففاعلية الإجراءات الأمنية لا تقاس فقط بسرعة التدخل أو بعدد الموقوفين، بل بقدرة الدولة على تحويل نتائج العمل الميداني إلى مسار قضائي واضح يكرس المساءلة ويمنع الإفلات من العقاب. ومن هنا، فإن أي تساهل في تطبيق القانون أو تفاوت في التعامل مع المخالفات من شأنه إضعاف الثقة بالمؤسسات، فيما تؤدي المساواة أمام القانون إلى تعزيز شرعية الدولة وتأكيد أن الاستقرار لا يقوم على موازين القوى أو الاعتبارات الفئوية، بل على مرجعية دستورية واحدة تسري على الجميع".
ويضيف المصدر أن "المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من الاستجابة للأحداث بعد وقوعها إلى اعتماد سياسة أمنية استباقية قائمة على جمع المعلومات وتحليلها وتبادلها وتقدير المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات فعلية. فالجهوزية الحقيقية لا تعني رفع مستوى الاستنفار بصورة دائمة، وإنما امتلاك القدرة على تحديد مصادر الخطر، وتوزيع المسؤوليات بوضوح، وتنسيق التحركات بين الأجهزة العسكرية والأمنية، بما يمنع الازدواجية ويحد من الثغرات . ويشكل التكامل المؤسسي شرطاً ضرورياً لنجاح هذه المقاربة، إذ لا يمكن لأي جهاز، مهما بلغت إمكاناته، أن يواجه بمفرده تحديات متشابكة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية".
ويلفت المصدر إلى أن "منع تحويل الضغوط المعيشية إلى مدخل للإخلال بالأمن لا يقل أهمية عن الإجراءات الميدانية، خصوصاً أن الأزمات الاقتصادية قد ترفع منسوب الاحتقان وتوسع دائرة الهشاشة الاجتماعية. وهذا الواقع يفرض على الدولة التمييز بين المطالب الاجتماعية المشروعة ومحاولات استغلالها لإشعال الاضطرابات أو الاعتداء على الممتلكات والمرافق العامة. ولا يتحقق هذا التوازن بالقوة الأمنية وحدها، بل من خلال الجمع بين إنفاذ القانون ومعالجة أسباب التوتر، بما يحفظ حق المواطنين في التعبير عن مطالبهم، ويمنع في الوقت نفسه تحويل المعاناة إلى أداة تهدد السلم الأهلي. فالأمن المستدام يحتاج إلى عدالة في تطبيق القانون، وإلى سياسات عامة تعيد للمواطن شعوره بأن الدولة حاضرة وقادرة على الاستجابة".
وفي ما يتعلق بالجنوب، يشدد المصدر على أن "تعزيز حضور الأجهزة الأمنية الشرعية في القرى والبلدات غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي يحمل أبعاداً تتجاوز حفظ النظام، لارتباطه بتعزيز صمود السكان وتسهيل شؤونهم الإدارية وتوفير الحد الأدنى من الطمأنينة في ظل ظروف استثنائية. إن انتشار المؤسسات الشرعية في هذه المناطق يكرس ارتباط المواطنين بدولتهم، ويحول دون نشوء فراغات يمكن أن تستغلها قوى أخرى، كما يؤكد أن مسؤولية الدولة تجاه أهل الجنوب لا تتجزأ، وأن حماية السكان وصون حقوقهم يجب أن تبقيا في صدارة الأولويات الوطنية".
يشكل تعزيز الجهوزية الأمنية وتكامل الأجهزة وتطبيق القوانين اختباراً عملياً لقدرة الدولة اللبنانية، فالثقة لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بانتظام تنفيذها، وبحضور المؤسسات على الأرض، وبملاحقة المخالفات من دون استثناء، وبإخضاع العمل الأمني للقانون والرقابة القضائية. وكلما ترسخت هذه المعادلة، تراجعت فرص الفوضى وتعززت مناعة المجتمع. إن استعادة الدولة لا تنفصل عن استعادة احتكارها المشروع للقوة، ولا عن حماية المواطن من التهديد والخوف، لتصبح المؤسسات المرجعية الوحيدة للأمن، والضامن الفعلي لوحدة لبنان واستقراره وسيادته".
