الجنوب بعد الحرب: تحذير من تلوّث المياه الجوفيّة!

كتبت ميريام بلعة في المركزية:

مخاطر بيئية جمّة خلفتها الصواريخ الإسرائيلية في الجنوب، حتى باتت أرضه ومياهه وهواؤه شبحاً يُرعب القاطنين، ونزفاً يُدمي قلوب المزارعين لا تبرّره مقولة "الرزق عَوَض الروح"!

الجنوب بعد الحرب - التي لا تزال خروقاتها يومية - مَرتع رَحِب للمخاطر والملوّثات البيئية ولا سيما تلك المتعلقة بالمياه! فوسفور وترسّبات سامة حملتها القذائف والحرائق... كما الأيدي العابثة.

ما هي أبرز المخاطر البيئية المتعلقة بالمياه جنوباً؟

مدير الهندسة الزراعية وهندسة الصناعات الغذائية في جامعة القديس يوسف الدكتور وديع سكاف يشرح عبر "المركزية" أن هناك مسارات عدة يجب مراقبتها: مخلفات الذخائر، الرماد والحرائق، المعادن والمواد الكيميائية الموجودة في الردميّات، تضرّر شبكات الصرف الصحي والمياه، وتسرب الملوّثات من التربة إلى المياه السطحية والجوفية.

ولكن... ينبّه سكاف أيضاً إلى وجود "بيانات يجب قراءتها بحذر" ليقول: بعد الحرب، أظهرت تحاليل الحوض الأدنى لنهر الليطاني في كانون الأول 2024 ارتفاعاً استثنائياً في الفوسفور والفوسفات. ولكن المراقبة اللاحقة أظهرت تحسناً مهماً، وفي تشرين الثاني 2025 كانت المؤشرات التي تم قياسها في الحوض الأدنى ومشروع ريّ القاسمية – رأس العين متوافقة مع معايير مياه الريّ".

هنا التشديد ضروري، وفق تعبيره، على أن "صلاحية المياه للريّ لا تعني تلقائياً صلاحيّتها للشرب".

وليس بعيداً، يكشف سكاف: لدينا اليوم معلومات أكثر بكثير مما كان متوفراً مباشرة بعد الحرب، وهناك مراقبة دورية لنهر الليطاني وقنوات الريّ، إضافة إلى الدراسات البيئية التي أجراها المجلس الوطني للبحوث العلمية.

لكن علمياً لا يجزم، أقله حتى الآن، "وجود خريطة شاملة ونهائية لكل بئر وينبوع ومصدر مياه جوفية في جميع المناطق المتضررة مع تحليل كامل لكل الملوّثات المحتملة. فالمطلوب شبكة رصد طويلة الأمد، لأن التحليل مرة واحدة يعطي صورة عن لحظة معيّنة، بينما المطلوب معرفة كيف تتغيّر نوعية المياه مع الزمن".

ويؤكد أن التلوّث الموجود في التربة ينتقل إلى المياه الجوفية، "فذلك مثبت علمياً، لكن ليس كل ملوّث ينتقل بالسرعة أو بالكمية نفسها"، ويقول: يعتمد الانتقال على ذوبان المادة، قدرتها على الالتصاق بحبيبات التربة، pH التربة (الرقم الهيدروجيني)، المادة العضوية، كمية الأمطار والريّ، نفاذ التربة وعمق المياه الجوفية... بعض المواد تتحرّك بسهولة مع المياه، بينما ترتبط مواد أخرى بالتربة وتتحرّك ببطء. لذلك، إن وجود ملوّث في التربة يعني وجود مسار محتمَل للتلوّث، لكنه لا يثبت تلقائياً أن المياه الجوفية أصبحت ملوَّثة؛ الأمر الذي يحتّم تحليل المياه نفسها.

وعن مدة بقاء المياه الجوفية والينابيع مهدّدة بالتلوّث، يشير سكاف إلى أنها "مهدّدة بدرجة تستدعي مراقبة مستمرة، خصوصاً بسبب الطبيعة الجيولوجية "الكارستية" في مناطق واسعة من لبنان. إذ في الأنظمة "الكارستية"، تتحرّك المياه أحياناً بسرعة عبر التشققات والفجوات في الصخور. لذلك قد يكون "الترشيح الطبيعي" أقل مما يتخيّله الناس، وعلى سبيل المثال لا الحصر الصرف الصحي غير المعالج، الحُفر الصحيّة غير المحكمة، المكبّات، النشاط الزراعي والأسمدة والمبيدات، وتسرّب الوقود والمواد الكيميائية، كلها يمكن أن تهدّد المياه الجوفية.

..." لكن ذلك لا يعني أن كل المياه الجوفية اللبنانية ملوّثة، فالتقييم يجب أن يتم لكل حوض ومصدر بواسطة الرصد والتحليل" على حدّ قوله.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى