"حزب الله" بين الدولة والكانتون

كتب نجم الهاشم في صحيفة نداء الوطن:
من يصرخ أولا؟ تلك هي نتيجة المواجهة المستمرة بين "الدولة" وبين دويلة "حزب الله". أكثر من مرة في أكثر من ملف وفي أكثر من مكان، تتكرّر المناوشات على جبهة واحدة: من يملك سلطة القرار وهل تضع الدولة "حزب الله" تحت القانون والمحاسبة؟ أم أنّ "الحزب" هو الذي يتولى هذه العملية بالمقلوب ويحاسب الدولة والسلطات التابعة لها؟ لا شكّ في أنّ ما يحصل على هذه الجبهة هو حرب إرادات لا بدّ من أن تنتصر فيها الدولة في النهاية.
لا تملك "الدولة" إلا خيار الصدام مع "حزب الله"، لأنّها هي الدولة أولا، ولأنّها لا تستطيع أن تتراجع أو أن تنهزم أو أن تتخاذل عن تطبيق القرارات التي اتخذتها الحكومة في 5 و7 آب 2025، وفي 2 آذار 2026، وهي تتعلّق أولًا باستعادة قرار الدولة وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح كل الجماعات التي لا تزال تهدّد سيادتها وسلطاتها وتتحدّاها، وفي طليعتها "حزب الله" الذي جرّ الدولة والسلطة واللبنانيين جميعًا إلى سلسلة من الحروب دمّرت البلد وأبناءه واقتصاده ومستقبله.
لا تملك الدولة في هذه المواجهة ترف الانتظار، وهي تخسر طالما أنّها تستمرّ في التراجع أمام "الحزب"، في ظلّ ما يُقال عن أنّها حريصة على استمرار التواصل معه لإقناعه بالانضواء تحت سلطتها. هذا المسار يصبّ في مصلحة "الحزب"، وينهي عمليًا الدولة، ويقضي على مؤسساتها، ويعيدها سلطة تابعة لتسلّط "الحزب".
لا 7 أيّار جديد
منذ تمّ الكشف عن شاحنة المتفجرات التي أوقفتها قوى الأمن في ضهر البيدر في 4 تشرين الأول الحالي، لم يتوان "الحزب" عن تهديد الدولة بالرد وبالحرب في الداخل على طريقة ما حصل في 7 أيار 2008، معتبرًا أنّه بهذه التهديدات يمكن أن يوقف هذا المسار. ولكن في الواقع، "الحزب" اليوم أعجز من أن يقوم بمثل هذه العملية، لأن الظروف كلّها اختلفت. في 7 أيار 2008، كانت المواجهة مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، في ظلّ فراغ رئاسي، وفي ظلّ انكفاء الجيش اللبناني عن التدخل لمنع "الحزب" من الخروج من الضاحية الجنوبية إلى احتلال بيروت والشويفات وعاليه والتوغّل عبر مرتفعات الباروك، حيث وقع بكمين نصبه الحزب "التقدمي الإشتراكي". لا وجود اليوم لقوى من تيار "المستقبل" ليتهمها "الحزب" بأنّها كانت كناية عن ميليشيات مسلّحة أعدّها التيار لمواجهته، ولذلك استطاع أن يحاصر الرئيس سعد الحريري في قريطم ووليد جنبلاط في كليمنصو، وأن يفرض الذهاب إلى الدوحة من أجل اتفاق كرّس عملية الانقلاب العسكري سياسيًا عبر الانقلاب على اتفاق الطائف.
ذلك الانقلاب الذي أعدّ له "الحزب" جاء بعد أقلّ من عامين على حرب تموز 2006، التي خرج منها مستقويًا على الحكم والحكومة، ورافضًا تنفيذ القرار 1701 الذي أكّد على القرار 1559 وعلى نزع سلاحه، وهو القرار الذي لا يزال حتى اليوم ينتظر التنفيذ.
المواجهة بين "الحزب" والدولة كدولة لم تبدأ مع شاحنة ضهر البيدر. هذه المواجهة بدأت منذ العام 2004 وترجمت بمحاولة اغتيال النائب مروان حمادة أول تشرين الأول وتابعها "الحزب" باغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 ثم بسلسلة الاغتيالات التي تبعتها.
وهذه المواجهة استمرت مع تفجير مرفأ بيروت، ومع رفض تحقيقات المحقق العدلي، وتهديده بالقبع علنًا ومن دون خوف. وهي كانت مستمرّة من خلال فرض تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، ثم بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، وبعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون. وهي كانت مستمرة في فرض تسمية رؤساء الحكومات ووزرائها والتعيينات الأمنية والقضائية. طوال المرحلة الممتدة منذ العام 2004 و"الحزب" في مواجهة مستمرّة مع "الدولة" وليس مع السلطة، وهو دائمًا كان يعمل على التسلّط على السلطة من أجل التسلّط على الدولة.
خيار انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية كان من ضمن هذه المواجهة التي سجّلت فيها "الدولة" انتصارًا على "حزب الله". خيار تسمية نوّاف سلام رئيسًا للحكومة كان انتصارًا ثانيًا، وتشكيل هذه الحكومة كان انتصارًا ثالثًا. هذه الخسارات التي واجهها "الحزب" في الداخل أمام الدولة، كانت تواكب خساراته وهزائمه العسكرية في المواجهة التي زجّ لبنان بها مع إسرائيل. ولذلك عندما تراجع في المواجهة العسكرية، بدأ عملية المواجهة مع "الدولة".
التهديد لا يفيد
بعدما لم تنفع تهديداته المباشرة الموجّهة إلى الدولة ومن يمثّلونها في منع التفاوض مع إسرائيل، وفي منع اتخاذ قرارات الحكومة، حاول أن ينتقل إلى تهديد القوى الأمنية والعسكرية والقضائية، التي يمكن أن تتولّى تنفيذ هذه القرارات. لذلك كانت عملية الاستعراض التي قام بها في 16 تشرين الأول الحالي لمنع وحدة المباحث الجنائية المركزية، من تنفيذ قرار مصادرة أحد مستودعات الأدوية الممنوعة في منطقة غاليري سمعان. كان "الحزب" يوجه رسالة إلى "الدولة" بأنه لن يسكت عن محاولتها الاستمرار في توقيف عنصرين تابعين له، كانا ينقلان المتفجرات، ولن يسمح بتوقيف أيّ مسؤول آخر عن نقل هذه الشحنة، وعن رفض إحالة هذه القضية إلى المجلس العدلي. ولذلك أيضًا، أوحى بأنّ الطريق المفتوح أمام تسوية هذه القضية وغيرها من القضايا وإنهاء هذه المواجهة مع "الدولة"، يكون عبر العودة إلى آلية التواصل بينه وبين "الدولة"، وهي الآلية التي كان يعتبر أنّها تعطيه الغطاء في كل تحركاته. وهو ذهب أبعد من ذلك عندما عمدت وحدات تابعة له إلى قطع بعض الطرقات وتحريك مسيرات على الموتوسيكلات لتجوب بعض الشوارع.
"الحزب" الضعيف
ولكن مهما كانت القوة التي لا يزال "الحزب" يتمتّع بها ويملكها، فهو يبقى أضعف من "الدولة"، إذا بقيت متمسّكة بشرعيتها وبقراراتها، وإذا تجرّأت على التقدّم نحو وضعها موضع التنفيذ. الاستعراض العسكري الذي قام به "الحزب"، يجب أن يكون منطلقًا من أجل أن تخرج "الدولة" من دائرة الحذر والانتظار وتنتقل إلى المبادرة والفعل. والدروس المستقاة من تجارب سابقة غير بعيدة، قد تكون مناسبة من أجل ذلك. مواجهات الطيونة في 14 تشرين الأول 2021 مثال على ذلك. وفتح طريق المطار في 15 شباط 2025، عندما تمّ التعرض لآليات تابعة للقوات الدولية مثال على ذلك. تلك المحاولة جرت بعد انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، وبعد تسمية نواف سلام لتشكيل الحكومة وكانت تهدف إلى السيطرة على قرارهما وعلى الحدّ من الاندفاعة السياسية. ولكن تلك المواجهة أدّت إلى انطلاقة جيدة لـ"الدولة" مع العهد الجديد. ما يحاول أن يفعله "الحزب" اليوم، هو استخدام كل الوسائل لإسقاط "الدولة" كدولة. ولذلك إنّ إسقاط الحكم والحكومة يبقى أحد تفاصيل تلك المواجهة. ولكن هل يملك "الحزب" القدرة على تنفيذ مثل هذا الانقلاب؟ هو يستطيع أن يفعل ذلك، إذا تصرفت السلطة كأنّها غير موجودة، وإذا استسلمت لتهدديدات "الحزب". ولكن هل السلطة مستعدة لتنهي دروها وتعيد تسليم "الدولة" إلى "الحزب"؟
الهروب إلى الكانتون
لايستطيع "الحزب" أن يخوض أي مواجهة مع الدولة وكلّ ما يمكنه أن يقوم به هو التهديد. إن التدابير التي يمكن أن تتخذها الدولة بإمكانياتها الموجودة والكبيرة جدًّا، تجعل "الحزب" كأنّه يحاصر نفسه داخل ما يعتبر أنّه الكانتون التابع له والمسيطِر عليه. قد يعتقد "الحزب" أنّ من مصلحته أن يحتمي داخل هذا الكانتون ولكن في الواقع إذا فعل ذلك، يكون كمن يوقع نفسه في الفخ.
ليس مطلوبًا من "الدولة" ولا هي تريد، أن تشنّ حربًا على "الحزب" والقوات التابعة له، ولا أن تذهب فورًا إلى تنفيذ مذكرات توقيف المتهمين التابعين له بالقوة. يكفي أن تتشدّد في منع خروج القوى التابعة له، لتحتلّ مناطق أخرى. ويكفي أيضًا أن تتشدّد على الطرقات العامة والمعابر بين المناطق لتمنع نقل عناصره وأسلحته من منطقة إلى أخرى. يكفي أن تتجرّأ الدولة على أن تثبت هذه المعادلة التي تعني انتهاء أي معادلة سابقة كان يستفيد منها "الحزب" ليسيطر على "الدولة" وقراراتها. غير ذلك ماذا يستطيع "الحزب" أن يفعل؟ هل يهاجم الجيش المنتشر لحماية المناطق التابعة لـ"الدولة" وليس للكانتون؟ إنّها معركة انقلاب المفاهيم والمقاييس التي كانت تعطي لـ"الحزب" القدرة على التحكم بـ"الدولة" واحتلال قرارها. آن الأوان لكي تستعيد هذه السلطة "الدولة" والقرار.
