مخدرات عين الحلوة تضع الدولة والفصائل أمام اختبار الحسم

كتب طارق أبو زينب في صحيفة نداء الوطن:
لم تعد آفة المخدرات في مخيم عين الحلوة قضية محصورة، بل اختبارًا لمسؤولية الدولة والمرجعيات الفلسطينية في حماية الشباب وملاحقة شبكات الترويج. وبين اتهامات بتحوّل المخيم إلى مركز رئيسي للترويج وتصدير المخدرات إلى البلدات الجنوبية، ورفض فلسطيني، تبرز ضرورة حسم الملف بالوقائع والتحقيقات، بعيدًا من التهويل والإنكار والوصم الجماعي.
ترفض القوى الفلسطينية واللجان الشعبية الاتهامات، معتبرة أنها تعميم يشيطن المخيم ويشوّه صورته وصورة صيدا. وتقول مصادر فلسطينية إن المخدرات منتشرة في مناطق لبنانية، متسائلة كيف يُصنّف المخيم مركزًا للترويج فيما تحيط به حواجز الجيش اللبناني لمنع دخول الممنوعات. لكن وجود الحواجز لا يحسم المسارات أو حجم النشاط، بل يستدعي تحقيقًا يحدد الثغرات والمسؤوليات.
وتخشى المصادر إنشاء فصيل إسلامي مركزًا صغيرًا لمعالجة الإدمان، وتتساءل عن استيفائه الشروط الطبية، وما إذا كان يساعد المرضى على التعافي، أم يعرّضهم للتطرف والتعصب الديني. وتستدعي المخاوف التحقق من الترخيص والإشراف الطبي، لا إصدار أحكام مسبقة، وتدعو إلى تحصين أحياء المنشية والبركسات والرأس الأحمر والصفصاف من الآفة.
وتسعى جمعية عمل تنموي بلا حدود "نبع" إلى استجابة تجمع التوعية والمشاركة وتسهيل العلاج. ويؤكد مديرها العام الدكتور قاسم سعد لـ"نداء الوطن" أن عين الحلوة جزء لا يتجزأ من الأراضي اللبنانية، وليس جمهورية مستقلة أو جزيرة خارج المجتمع، وأن تصويره كذلك يشيطن المخيم ويوصم سكانه، وهو أمر مرفوض أخلاقيًا وإنسانيًا.
ويشدد سعد على أن وجود المخدرات يستدعي الاعتراف والمواجهة، من دون تحويلها إلى صفة تلتصق بالمكان وأهله. فتحديد انتشارها يحتاج إلى معلومات موثوقة ودراسة ميدانية تتجنب التهويل والإنكار. وتزيد الضائقة الاقتصادية والبطالة والاكتظاظ وضيق فرص التعليم والعمل وتراجع الخدمات، وتعدد المرجعيات وضعف التنسيق والرقابة ومحدودية برامج الوقاية والحماية والتنمية، هشاشة بعض الأفراد أمام استغلال المروّجين، من دون تبرير التعاطي أو الاتجار. وحين يضيق أفق المستقبل أمام الشباب، تصبح حماية الأسرة والمدرسة والمؤسسات وتوفير فرص الحياة جزءًا من المواجهة.
ويضيف سعد أن ما ينطبق على مخيم عين الحلوة ينطبق على سائر المخيمات الفلسطينية، فمواجهة آفة المخدرات مسؤولية مشتركة تستدعي تنسيقًا مجتمعيًا يجمع مختلف أطياف المجتمع الفلسطيني وقواه ومؤسساته. ويبدأ ذلك برفع الغطاء عن تجار المخدرات، أيًا كانت انتماءاتهم، ورفض حمايتهم أو تبرير ممارساتهم، وصولا إلى مقاطعتهم وعزلهم اجتماعيًا، بالتنسيق مع الجهات الرسمية اللبنانية المختصة لملاحقتهم وفق القانون. وهذا أول الغيث في بناء موقف مجتمعي يحمي أبناء المخيمات، ويميّز بوضوح بين من يتاجر بمعاناة الناس ومن يحتاج إلى العلاج والدعم ليستعيد حياته.
وتقع المسؤولية على من يُدخل المخدرات ويتاجر بها ويروّجها، وكل من يثبت أنه يحمي الشبكات أو يسهّل عملها. وعلى الدولة إجراء تحقيقات جدية وملاحقة المتورطين بالأدلة وضبط المسارات ومحاسبتهم بلا انتقائية وضمان خضوع مراكز العلاج للمعايير الطبية. وتتوزع مسؤوليات الوقاية والحماية والعلاج بين الدولة والمرجعيات الفلسطينية والأونروا والمؤسسات الأهلية والتربوية والصحية، كلٌّ ضمن دوره.
وتقوم خطة "نبع" على أربعة مسارات. الأول الوقاية المجتمعية، عبر ورش وحملات للأطفال والشباب والأهل والقيادات واللجان الشعبية، للتوعية بالأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية، وتعزيز اتخاذ القرار ومواجهة ضغط الأقران والتواصل الأسري ورصد مؤشرات الخطر وطلب المساعدة، إلى جانب أنشطة شبابية وتربوية وثقافية ورياضية ومساحات آمنة ومواجهة الوصمة التي تمنع بعض الأسر من طلب الدعم.
ويربط المسار الثاني المتضررين بالتقييم والعلاج والتأهيل المتخصص، مع احترام الخصوصية والكرامة والموافقة المستنيرة، وشراكات مع مراكز مرخصة وموثوقة، وتأمين التمويل والإحالة والمتابعة والدعم الأسري والاجتماعي خلال التعافي. ويعالج الثالث التمكين الاقتصادي عبر مشاريع المال مقابل العمل والتدريب المهني المرتبط بالسوق وتوفير الأدوات ودعم الأعمال الصغيرة والتنسيق مع القطاع الخاص وأصحاب المؤسسات لفتح فرص التدريب والتوظيف للشباب والمتعافين القادرين على العمل.
أما الرابع، فيقوم على المناصرة ومجموعات ضغط تضم الشباب والأهل والقيادات واللجان الشعبية والمجتمع المدني، لتوثيق الاحتياجات والفجوات وصياغة المطالب وحشد التمويل للعلاج والتأهيل وفرص العمل ومواجهة الوصمة والتمييز وبناء التحالفات مع الجهات الصحية والاجتماعية والإعلامية والمانحين ومتابعة استجابة الجهات المعنية والتزاماتها.
