"صفر نفط".. ماذا قال تقرير أميركيّ عن إيران؟

نشرت صحيفة "المونيتور" تقريراً جديداً كشفت فيه أن إيران وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة في مواجهتها الاقتصادية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما نفدت آخر شحنات النفط الإيراني المخزّنة خارج نطاق الحصار البحري الأميركي، ما يهدّد بحرمان طهران من أحد أهم مصادر إيراداتها المالية.

ونقلت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمهُ "لبنان24" عن همايون فلاكشاهي، رئيس قسم تحليل النفط الخام في شركة "كبلر" المتخصصة في معلومات الطاقة، أن كميات النفط الإيراني الموجودة خارج نطاق الحصار انخفضت إلى الصفر خلال الأسبوع الماضي، بعدما أُفرغت كل الشحنات المتبقية في الصين، مشيراً إلى أن إيران تواجه هذا التحدي للمرة الأولى في تاريخها الحديث.

ويأتي هذا التطور بعد نحو شهرين من إطلاق واشنطن عملية "المنبوذ اقتصادياً"، وهي حملة عقوبات مدعومة بحصار بحري، تهدف إلى تجفيف الإيرادات التي تعتمد عليها طهران لتمويل مؤسسات الدولة ومجهودها الحربي.

خسائر بمليارات الدولارات

بحسب تقديرات "كبلر"، قد تنخفض إيرادات إيران من مبيعات النفط الخام والمكثفات إلى الصفر بحلول منتصف كانون الأول المقبل، في حال استمرار الحصار، نظراً إلى أن عائدات الشحنات تصل عادةً بعد شهر إلى شهرين من تفريغها في الموانئ الصينية.

وتُقدّر الإيرادات النفطية الإيرانية بما يتراوح بين 3 و6 مليارات دولار شهرياً، وتشكل نحو 35 إلى 40% من إيرادات الحكومة، ما يجعل توقفها ضربة كبيرة للاقتصاد الإيراني، خصوصاً مع تراجع قيمة الريال ونقص العملات الأجنبية.
ورغم ذلك، لم تتوقف جميع صادرات الطاقة الإيرانية، إذ أفادت وكالة "رويترز"، في 16 تشرين الأول، بأن بعض شحنات الغاز النفطي المسال ووقود الطائرات نجحت في تجاوز الحصار عبر شبكات شحن سرية، لكن حجمها يبقى غير كافٍ لتعويض خسائر النفط الخام.

التضخم والبطالة.. تداعيات مرتقبة

يشير التقرير إلى أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني أزمات حادة حتى قبل اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط الماضي، إلا أن العقوبات المتواصلة منذ عقود دفعت طهران إلى تطوير وسائل للتكيف مع الضغوط.

ووفقاً لمحمد فرزانغان، أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط في جامعة ماربورغ الألمانية، تراجعت حصة النفط من إجمالي صادرات السلع والخدمات الإيرانية من نحو 77% عام 2011 إلى 42% عام 2025.

ومع ذلك، بلغت عائدات الصادرات النفطية نحو 45 مليار دولار العام الماضي، أي ما يعادل 13% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي.

من جهته، حذّر الخبير الاقتصادي مهدي قدسي، من معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية، من أن استمرار توقف الإيرادات النفطية سيؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة الريال، وضعف الإنتاج والقدرة الشرائية للأسر.

وأوضح أن الحكومة تستطيع طباعة العملة المحلية لتمويل رواتب الموظفين والتزاماتها، لكنها لا تستطيع توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد الغذاء والأدوية والآلات والمواد الأولية.

كذلك، قد تواجه المصانع صعوبات في تأمين قطع الغيار والمواد اللازمة للإنتاج، ما يهدّد بتوقف بعض خطوط التصنيع وتسريح العمال.

هل تهدد الأزمة استقرار إيران؟

يرى التقرير أن تفاقم الضغوط الاقتصادية قد يدفع السلطات الإيرانية إلى إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري والأمني، مقابل تقليص الدعم والخدمات المدنية، الأمر الذي يزيد الأعباء المعيشية على السكان.

ورغم تسجيل احتجاجات واعتصامات تعكس حجم التوتر الداخلي، يؤكد الخبراء أن تدهور الأوضاع الاقتصادية لا يعني بالضرورة تقديم القيادة الإيرانية تنازلات سياسية فورية.

وكان محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي نفى، خلال اجتماعات صندوق النقد الدولي في بانكوك هذا الشهر، أن يكون الاقتصاد الإيراني في حالة انهيار، مؤكداً قدرته على الصمود أمام الضغوط.

مضيق هرمز.. ورقة إيران الأخيرة؟

في المقابل، لا تزال طهران تمتلك أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها مضيق هرمز، حيث كثفت هجماتها على حركة الملاحة خلال تشرين الأول، وسط احتمالات باستئناف استهداف منشآت الطاقة الخليجية.

وبحسب بيانات "كبلر"، تعافت صادرات النفط الخام لدول الخليج، باستثناء إيران، خلال أيلول، لتبلغ 16.5 مليون برميل يومياً على الأقل، عائدةً إلى مستويات ما قبل الحرب، لكن ذلك تحقق في ظل حماية عسكرية أميركية ومخاطر أمنية مرتفعة.

أما واشنطن، فتواجه بدورها ضغوطاً سياسية وعسكرية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني، وسط تساؤلات بشأن قدرتها على تحمّل تكاليف حماية الملاحة الخليجية لفترة طويلة.

وكان ترامب أعلن في 8 تشرين الأول أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل الانتخابات، مشيراً إلى محادثات مثمرة بين الطرفين، قبل أن يعود بعد أسبوع إلى التلويح بضرب موقع "بيكاكس ماونتن" المرتبط بالبرنامج النووي الإيراني.

وفي المحصلة، تراهن واشنطن على أن يؤدي تجفيف الإيرادات النفطية إلى إجبار طهران على التفاوض، بينما تراهن القيادة الإيرانية على قدرتها على تحمّل الخسائر الاقتصادية لفترة أطول من قدرة الولايات المتحدة على مواصلة المواجهة وتكاليفها العسكرية والسياسية.

وبذلك، تدخل المواجهة مرحلة جديدة لا تقتصر على حجم الخسائر المالية، بل تتعلق بقدرة كل طرف على الصمود، ومن سيتراجع أولاً تحت وطأة الضغوط المتصاعدة.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى