جولة عسكرية انتهت.. هل نكون أمام مفاوضات مثمرة للمرة الأولى؟

بدا واضحًا خلال الساعات الماضية أن المشهد الإقليمي قد يكون دخل مرحلة مختلفة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والتصريحات المتشددة التي رافقت التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. فرغم الضربات المتبادلة والرسائل العسكرية التي حملتها الأيام الأخيرة، فإن مسار الأحداث يوحي بأن ثمة تحولًا يجري خلف الكواليس، قد تكون نتائجه أكثر أهمية من التصعيد نفسه، خصوصًا أن الوقائع الميدانية لم تسر بالاتجاه الذي توقعه كثيرون قبل أيام.

ويستند هذا الانطباع إلى مجموعة من المؤشرات التي ظهرت تباعًا. فبعد القصف العنيف الذي استهدف قواعد عسكرية أميركية في المنطقة، امتنعت واشنطن عن تنفيذ رد واسع أو نهائي على إيران، واكتفت بمواقف محسوبة، ما أوحى بأن الضربة الإيرانية الأخيرة قد تكون شكلت خاتمة الجولة العسكرية الحالية، لا مقدمة لتوسيعها. ويقرأ كثيرون هذا السلوك على أنه رسالة متبادلة بعدم رغبة الطرفين في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، رغم استمرار الخطاب التصعيدي من الجانبين، لأن أي حرب شاملة ستفرض أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية لا يبدو ان ايا من العاصمتين مستعد لتحملها في هذه المرحلة.

وفي موازاة ذلك، بدأت تتسرب معطيات جديدة مرتبطة بالساحة اللبنانية، تحمل بدورها دلالات لافتة. فهناك حديث متزايد عن تقدم في النقاشات المتعلقة بانسحاب إسرائيلي من بعض النقاط، إضافة إلى قيود أميركية إضافية على تنفيذ عمليات عسكرية وُصفت بأنها غير ضرورية أو غير ذات أهمية استراتيجية. وإذا صحت هذه المؤشرات، فإنها تعكس محاولة واضحة لخفض مستوى التوتر على الجبهة اللبنانية، بما ينسجم مع مسار إقليمي أوسع يهدف إلى منع توسع المواجهة إلى ساحات إضافية.

وتشير بعض القراءات أيضًا إلى أن واشنطن قد تتجه إلى لعب دور أكثر مباشرة في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، ليس فقط لضمان الاستقرار هناك، بل أيضًا لتوفير مناخ أكثر هدوءًا يسمح باستكمال الاتصالات المتعلقة بالملف الإيراني. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي انفجار جديد على الحدود اللبنانية قد ينسف فرص التقدم في الملفات الإقليمية الأخرى، ولذلك يبدو أن الأولوية أصبحت منع أي تصعيد غير محسوب، حتى لو تطلب الأمر ممارسة ضغوط أكبر على مختلف الأطراف لضبط الميدان.

كما أن الأجواء التي بدأت تتشكل في الأيام الأخيرة تعطي انطباعًا بأن بعض القوى الدولية باتت تتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءًا من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، لا مجرد ملف منفصل. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بتثبيت الهدوء جنوبًا، وبتقليص هامش العمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى خلط الأوراق في توقيت حساس.

وفي المقابل، لا تزال طهران ترفع سقف مواقفها المعلنة، مؤكدة أنها لن تعود إلى طاولة المفاوضات في الظروف الحالية. إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن المواقف العلنية لا تعكس دائمًا ما يجري في الغرف المغلقة، خصوصًا عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع الحاجة إلى تجنب حرب شاملة في المنطقة. لذلك، لا يستبعد مراقبون أن تكون قنوات التواصل غير المباشرة لا تزال مفتوحة، حتى في ظل التصريحات المتشددة التي تصدر من الطرفين.

لهذا السبب، عاد التفاؤل ليسيطر تدريجيًا على الأجواء المحيطة بمسار إسلام آباد، بعدما تراجعت المخاوف من انهياره الكامل. فهناك من يرى أن ما يجري ليس توقفًا للمفاوضات، بل إعادة ترتيب لشروطها وتوقيتها، وأن التصعيد العسكري الأخير قد يكون استُخدم لتحسين المواقع التفاوضية قبل العودة إلى المسار السياسي عندما تنضج الظروف. وإذا استمرت المؤشرات الحالية بالاتجاه نفسه، فقد تكون المرحلة المقبلة عنوانها تثبيت التهدئة في أكثر من ساحة، تمهيدًا لإحياء المفاوضات بصورة مختلفة، حتى لو استمر الخطاب السياسي المتشدد في العلن، لأن التجارب السابقة أثبتت أن التسويات الكبرى غالبًا ما تبدأ من لحظات التوتر القصوى، لا من فترات الهدوء.

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى