هدايا السياسيّين في لبنان… بين الرمزيّة وغسل القلوب و"اللطشة"

خاص موقع Mtv
لفتت الهدية التي قدّمها رئيس الحكومة نواف سلام إلى وزير الخارجيّة السوري أسعد الشيباني الأنظار، إذ أهداه مجسّماً مصنوعاً من خشب الأرز على شكل أرزة كتب عليه: "بين أرز لبنان وورد الشّام عهد جديد من الأخوّة والتعاون". لم تكن الهدية مجرد قطعة تذكاريّة، بل حملت رسائل سياسيّة تعكس رغبة في فتح صفحة جديدة بين البلدين، مع التّشديد على سيادة لبنان واستقلال قراره في هذه المرحلة الدّقيقة.
أعادت هذه المبادرة تسليط الضّوء على الهدايا كأداة دبلوماسية ورمزية لطالما استخدمها السياسيون في لبنان لإيصال رسائل معيّنة. فما أبرز الهدايا التي طبعت الحياة السياسيّة اللبنانيّة؟
من السّاعات الثمينة إلى ألبومات الصّور والكتب النادرة، لم تكن الهدايا في لبنان مجرّد مُجاملات بروتوكوليّة، بل كثيراً ما شكّلت جسوراً لإنهاء الخلافات أو وسيلة لإيصال رسائل سياسية مبطّنة.
ومن أبرز الأمثلة، ألبوم صور "العشاء الخاص". فبعد مرحلة من التّوتر والسجالات، بادر الرّئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى إرسال هديّة إلى رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري. لم تكن الهدية ماديّة، بل حملت قيمة معنوية، إذ ضمّت مجموعة من الصّور التذكاريّة التي جمعتهما خلال عشاء سبق تشكيل الحكومة، في خطوة ساهمت في كسر الجليد وإعادة الدفء إلى العلاقة بين الحليفين اللذين مرّا بمحطّات من التباعد.
ويُعرف جنبلاط أيضاً بشغفه بالكتب، إذ اعتاد إهداء خصومه وحلفائه كتباً تاريخية نادرة يختارها بعناية، حاملاً عبر عناوينها رسائل سياسيّة غير مباشرة. أما في تسعينيات القرن الماضي، فقد ارتبط اسم رئيس الحكومة الرّاحل الشّهيد رفيق الحريري بثقافة تقديم الساعات الفاخرة كهدايا رسمية. وكانت تلك السّاعات، التي حمل بعضها توقيعه أو رمز الأرزة اللبنانية المصاغ بالذهب، تُقدَّم للوزراء والنواب والوفود الرسميّة، لتصبح رمزاً للعلاقات السياسيّة والشخصيّة في تلك المرحلة.
وفي الزيارات الرسمية، تتحوّل الهدية إلى سفيرٍ للهوية اللبنانية. فقد أهدى رئيس الجمهورية جوزاف عون قداسة البابا لاوون الرابع عشر لوحة للفنان اللبنانيّ نبيل نحاس تتوسّطها أرزة لبنان، فيما قدّم البابا للرئيس عون ميدالية تضمّ القديس شربل والقديس أندراوس الرسول، إلى جانب رموز لبنانية ودينيّة، أبرزها مزار سيدة لبنان في حريصا، والأرز، وأجراس الكنائس.
وخلال زيارته إلى الفاتيكان، حمل الرئيس عون وعقيلته السيدة الأولى نعمت عون مجموعة من الهدايا، كشفت عنها السيدة الأولى عبر حسابها على "إنستغرام"، وضمّت تمثالاً للقدّيس شربل من منحوتات الفنان رودي رحمة، وأرزة تحتوي على ذخائر لقدّيسي لبنان، إضافة إلى "مونة" من مُختلف المناطق اللبنانية، تضمنت أيضاً قطعاً زجاجية صُنعت من حطام انفجار مرفأ بيروت، في رسالةٍ تختصر التراث اللبناني والإرادة في النّهوض بعد المأساة.
وفي لفتةٍ مُختلفة وغريبة، أهدى الرئيس عون، لدى استقباله مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، وهو أصغر من تولّى هذا المنصب في تاريخ الجمهوريّة، مسدساً، في إشارة إلى خلفيته العسكرية وتقديراً لمسيرته.
ولا تقتصر "الهدايا" في السياسة اللبنانية على المقتنيات المادية، إذ يزخر القاموس السياسي بما يُعرف بـ"الهدايا السياسية" أو "اللّطشات". فكثيراً ما يُستخدم هذا التعبير لوصف تنازلات متبادلة بين القوى السياسية، سواء عبر تمرير مراسيم أو تعيينات أو مشاريع وقوانين، في إطار صفقات تهدف إلى استرضاء طرف مقابل الحصول على مكسب في ملفّ آخر. وفي أحيان كثيرة، تتحول هذه "الهدايا" إلى ما يُسمّى "الهدايا المسمومة"، عندما تُمنح لإحراج الخصوم.
في لبنان، نادراً ما تكون الهدية مجرّد هدية. فخلف كلّ كتاب، أو ساعة، أو قطعة فنيّة، هناك "لطشة" سياسية، ورسائل عدّة. وبعيداً عن هدايا السياسيّين بين بعضهم البعض، يبقى السّؤال الأهمّ: متى يقدّم السياسيّون للبنانيّين أثمن هدية على الإطلاق... دولة مستقرّة، وسلاماً دائماً، وعيشاً كريماً، و"بحبوحة"؟
