"منطقة تجريبية" اسمها مطار القليعات

في مطار القليعات، وفي 5 تشرين الثاني عام 1989، انتُخب رينيه معوّض أول رئيس لـ "جمهورية الطائف". من القليعات كان يُفترض أن يشهد لبنان إقلاع "الجمهورية الثانية" بعد الحرب الأهلية، وأن يبدأ مسار الخروج من زمن الميليشيات إلى زمن الدولة. مطار "الشهيد رينيه معوّض"، بالمعنى السياسي، يمثّل إرادة لبنانية باسترداد الطائف، بالتوازي مع المنافع الإنمائية والضرورات الأمنية لتشغيل مطار ثانٍ. وهو، أبعد من كونه مشروعًا حيويًا للشمال، يشكّل نموذجًا للامركزية التي تقوّي الدولة ولا تنتقص منها، لأنها توسّع حضورها في المناطق، وتعيد توزيع التنمية والفرص، وتخفف الضغط عن العاصمة من ضمن القرار السيادي الواحد، لا خارجه. انتخاب معوّض في عكار كان بسبب رفض ميشال عون اتفاق الطائف، وتهديده بقصف مطار بيروت لمنع عودة النواب إلى لبنان والشروع بقيام "الجمهورية الثانية". ورفضه لاحقًا تسليم قصر بعبدا للرئيس المنتخب تسبّب بمقتله.
التاريخ أحيانًا يثأر لنفسه. لقد اغتيل الرئيس معوّض في بيروت، قرب مقر رئاسة الحكومة آنذاك، وها هي طائرة نواف سلام، رئيس حكومة لبنان، تحط في القليعات ضمن ورشة إعادة ترتيب الفوضى والهيمنة اللتين سادتا بقرار من نظام الأسد وإيران. وكأن المكان نفسه يعود اليوم ليذكّر اللبنانيين بأن معركة استعادة الدولة لا تُخاض بالشعارات وبالمواقف المتقلبة، بل بربط السيادة بالإنماء، وبإعادة فتح المؤسسات والمرافق والحدود أمام منطق الشرعية لا منطق الأمر الواقع.
الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أنشأوا هذا "المدرج العسكري" عام 1941، ثم تحوّل إلى "مدرج اقتصادي" بعدما اعتمدته شركة IPC المشغّلة للمصفاة التي يصلها النفط من كركوك إلى تخوم طرابلس. من عسكري إلى "نفطي" إلى "مدني"، مطار القليعات عنوان لسعي الدولة إلى الإنماء في الشمال، في مواجهة "الدويلة" التي تجلب الخراب في الجنوب بشكل خاص. فالفارق جوهري بين لامركزية المؤسسات ولامركزية السلاح: الأولى تردم الفجوة بين الدولة والمواطن، وتحوّل الأطراف إلى شركاء في القرار والتنمية، أما الثانية فتقتطع الجغرافيا من الشرعية، وتحول المناطق إلى مربعات نفوذ مغلقة، وتستبدل القانون بـ"دويلة" الارتهان لإيران.
انتشار الجيش اللبناني من خلدة إلى ضبيه، كخطوة أولى، أصبح يمثّل خط الدفاع عن الشرعية التي قد تخسر كل الإنجازات التي حقّقتها، رغم الظروف المعقّدة التي أحاطت بها. فالمطلوب اليوم ليس إجراءً أمنيًا عابرًا، بل قرار سياسي واضح يعيد تعريف العاصمة بوصفها مساحة للدولة وحدها، لا ساحة مفتوحة للتهديد والابتزاز. ومن المفارقات التي لا بد من الإشارة إليها أن هذا العهد وهذه الحكومة أصدرا قرارات وتعيينات وقوانين نافذة ولبنان تحت النار، بينما في عهد ميشال عون وراعيه "حزب الله" سيطر الشلل، وتعطّلت المؤسسات، وساد الانهيار الاقتصادي، رغم غياب التصعيد العسكري في الجنوب.
يبدو أن طرابلس، "العاصمة الثانية"، تسير على طريق النجاح كـ "منطقة تجريبية" للشرعية، بينما بيروت، العاصمة الأم، محاصرة وتحت خطر السقوط، كما هدّد الميليشياوي نعيم قاسم، إن لم تُسارع الدولة إلى إعلانها "منطقة منزوعة السلاح". من الواضح والأكيد أن الميليشيا لن تعود بسلاحها إلى الجنوب مهما تأخّرت الحلول المرتقبة. وجماعة العلم الأصفر لن تتوانى عن اقتطاع "منطقة صفراء" في بيروت، مقابل منطقة "الخط الأصفر" التي أقامتها إسرائيل في الجنوب. لذلك يصبح تشغيل القليعات، ومعه كل مشروع إنمائي خارج المركز، جزءًا من مواجهة سياسية أوسع: دولة تتمدّد بالمرافق والخدمات والاستثمار، في مقابل جماعة خارجة عن القانون لم تجلب إلا الخراب والمآسي.
