4 سيناريوهات مطروحة.. كيف سيكون "اليوم التالي" في إيران؟

كتب "آرم نيوز": قد تتمكن إيران من تجاوز الحرب من دون تعرّضها لانهيار عسكري مباشر، إلا أن التساؤلات المطروحة داخل مراكز الأبحاث وبين أوساط المعارضة لم تعد تقتصر على نتائج المواجهة بحد ذاتها، بل بات التركيز منصبّاً على مرحلة ما بعد الحرب. ففي طهران، يتزايد الحديث عن "اليوم التالي"، مع المخاوف من عودة الأزمات المؤجلة دفعة واحدة إلى الواجهة، من اقتصاد متعب ومجتمع ناقم، إلى صراع خفي داخل أروقة السلطة.

وفي المقابل، فإن الحرب التي أتاحت للنظام فرصة توحيد خطابه الأمني والسياسي بشكل مؤقت، قد تتحول بعد انتهائها إلى عنصر يكشف حجم الهشاشة الداخلية، لا سيما مع تراجع قدرة الدولة على احتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

وبحسب تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث غربية وتقارير للمعارضة الإيرانية، فإن إيران لا تواجه سيناريو واحداً في مرحلة ما بعد الحرب، بل مجموعة مسارات متشابكة، يحمل كل منها تحديات ومخاطر على استقرار النظام ومستقبل البلاد.

الاستنزاف الطويل

بحسب تقديرات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وتقارير اقتصادية غربية، يُعدّ سيناريو "الاستنزاف منخفض الحدة" الأكثر ترجيحاً لإيران في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتوقف المواجهات العسكرية الواسعة، لكن تداعياتها الاقتصادية والأمنية تستمر لسنوات طويلة.

فالحرب خلّفت أضراراً مباشرة في قطاعات الطاقة والنقل والصناعة، في وقت كان الاقتصاد الإيراني يعاني أساساً من أزمات متراكمة نتيجة العقوبات، أبرزها التضخم المرتفع، وتراجع قيمة العملة، وانخفاض الاستثمارات، إلى جانب تنامي اقتصاد الظل.

كما تشير تقارير "إيران إنترناشونال" إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية والإيجارات، مع اتساع رقعة الفقر لتطال شرائح من الطبقة الوسطى، ما يعني أن أي تهدئة عسكرية لن تقود تلقائياً إلى استقرار اقتصادي أو معيشي.

وفي ظل هذا السيناريو، لا تبدو إيران أمام انهيار سريع، بل أمام عملية تآكل تدريجية للدولة والمجتمع، حيث تزداد السلطة اعتماداً على القبضة الأمنية والقمع لضبط أزمة معيشية مفتوحة.

الانفجار الاجتماعي

في المقابل، قد لا يقتصر التهديد الأكبر للنظام على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي أيضاً. فخلال الحرب، فرضت السلطات إجراءات أمنية مشددة شملت حملات اعتقال واسعة، وقطع الإنترنت، وتعزيز انتشار قوات "الباسيج"، إضافة إلى تشديد الرقابة داخل المدن.

إلا أن تقارير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تعتبر أن هذه التدابير لم تعالج أسباب الاحتقان الشعبي، بل ساهمت فقط في تأجيل انفجاره تحت ضغط الحرب والتهديد الخارجي.

وتفيد معطيات صادرة عن المعارضة الإيرانية بأن بعض المناطق شهدت خلال فترة الحرب احتجاجات محدودة وإضرابات صامتة جرى احتواؤها سريعاً، ما يعكس خشية السلطات من عودة التحركات الشعبية فور تراجع التوتر العسكري.

وتتزايد هذه المخاوف مع تنامي شعور لدى شرائح واسعة من الإيرانيين بأنهم تحمّلوا كلفة الحرب من دون أي تحسن في أوضاعهم المعيشية، في حين واصلت النخب المرتبطة بالحرس الثوري حماية مصالحها الاقتصادية.

وفي حال تزامن ذلك مع ارتفاع الأسعار، وتراجع الدعم الحكومي، واتساع البطالة بعد الحرب، فقد تجد إيران نفسها أمام موجة احتجاجات جديدة أكثر حدة واتساعاً من سابقاتها.

الحرس فوق الدولة

الحرب كشفت أيضاً تحولاً عميقاً داخل بنية الحكم نفسها. فبحسب تقارير مراكز أبحاث أمريكية ومعارضة إيرانية، عزز الحرس الثوري الإيراني نفوذه بشكل غير مسبوق خلال المواجهة، سواء في القرار الأمني أو الاقتصاد الموازي أو إدارة الملفات الإقليمية.

لكن هذا التوسع قد يتحول لاحقاً إلى مصدر توتر داخلي. فداخل إيران، تتحدث تقارير معارضة عن تنامي التنافس المكتوم بين الحرس ومؤسسات الدولة التقليدية، في ظل شعور متزايد بأن مركز القرار الحقيقي ينتقل تدريجياً نحو البنية العسكرية – الأمنية.

ويحذر مراقبون من أن تضخم دور الحرس بعد الحرب قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية مرتبطة بتوزيع النفوذ والموارد، خصوصاً إذا تراجع دور الحكومة والمؤسسات المدنية أكثر.

وفي هذه الحالة، قد تتحول إيران إلى نموذج أكثر عسكرة وأقل قدرة على إنتاج حلول سياسية أو اقتصادية حقيقية، ما يعمق أزمتها بدل احتوائها.

 الصفقة المؤجلة

في المقابل، لا تستبعد مراكز أبحاث غربية أن تحاول طهران بعد الحرب الاتجاه نحو تهدئة كبرى مع الغرب والخليج لتخفيف الضغوط الاقتصادية ومنع الانهيار الداخلي.

لكن هذا السيناريو يحمل مخاطره أيضاً. فأي تسوية قد تتطلب تنازلات مرتبطة بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، أو في دور الحرس الثوري نفسه. وهي ملفات شديدة الحساسية داخل النظام نفسه.

معادلة صعبة

في هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي أنس جودة أن "أكبر مشكلة ستواجه إيران بعد الحرب ليست إعادة الإعمار أو الاقتصاد فقط، بل كيفية إدارة التناقض بين بقاء النظام وبقاء الصيغة الحالية للنظام".

ويقول جودة إن الحرب منحت طهران فرصة لتأجيل الانقسامات الداخلية عبر خطاب "الخطر الخارجي"، لكن هذه المظلة لن تستمر بعد توقف القتال.

ويضيف أن إيران قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: "إذا ذهبت نحو الانفتاح والتسويات ستواجه اعتراضات داخل البنية المتشددة، وإذا استمرت بسياسة الأمن والتصعيد فستواجه ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً متصاعداً".

ويحذر جودة من أن أخطر ما يواجه النظام ليس سقوطاً مفاجئاً، بل "تآكل تدريجي للشرعية والقدرة على السيطرة"، حيث تصبح الدولة أكثر اعتماداً على القوة، وأقل قدرة على إنتاج الاستقرار الحقيقي.

في المحصلة، تلتقي العديد من مراكز الأبحاث والدوائر الغربية مع المعارضة الإيرانية حول فرضية مفادها أن "الحرب قد لا تكون أخطر ما واجهته إيران، بل اللحظة التي ستليها، حين تتوقف الصواريخ، وتبدأ الأسئلة التي أخّرتها الحرب".

لمتابعة أحدث وأهم الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا

زر الذهاب إلى الأعلى