الشيعة بين التصنيف والتخوين والمجازر الإسرائيلية

كتبت سناء الجاك في صحيفة نداء الوطن:
مراقبة ما يجري على أرض الجنوب تحتاج إلى دم بارد وعقل بارد، وذلك في مواجهة فيضان الدم المسفوك وأكوام الدمار التي كانت تشكّل كيان القرى والبلدات، وصارت حجارتها غبارًا في مهبّ الريح بفعل الجرائم الإسرائيلية التي يبرّر أصحابها لأنفسهم حقهم في ما ترتكب أيديهم من فظائع.
لكن الصورة لا تكتمل لتسمح للعقل بقراءة موضوعية لكل هذه الفظائع ما لم تتوسع رؤية الباحث عن يقين ما ليرمي فيه وجعه وقلقه واحتدام أفكاره المتضاربة.
فالفاجعة، وبعد حماوة لحظتها الحارقة، تقلّب صفحاتها. من جهة، الجريمة الإسرائيلية في إبادة الوجود الشعبي الجنوبي موصوفة ومثقلة بأدلتها، تذكّرنا بفلسطين عام 1948. ومن جهة ثانية، التعامل مع هذه الجريمة وردود فعلها على مساحة الأمم اللبنانية غير المتحدة، على ما يصفها المرجع الديني الراحل السيد محمد حسين فضل الله، أخطر من الجريمة الأم بحدّ ذاتها.
فالجماعات الطائفية التي تردّد أن ما يقع على الجنوبيين هو خيارهم، لأنهم ارتضوا خوض حرب إسناد بأوامر إيرانية، لذا يستحقون موتهم ودمارهم. وصار كل اقتراب من هؤلاء خطرًا على الحياة، لذا يتمّ تصنيفهم ونبذهم.
ومقابل هذه الجماعات، لم يقصّر "حزب الله" ولم يوفّر سبيلا ليشوّه أفكار جماعته، وينمّطها ويقولبها، بحيث يلغي الوعي والمنطق، ليصبح ضحايا العدوان الإسرائيلي، مقاتلين ومدنيين، محظوظين لأن الله اصطفاهم ليرتقوا إلى مرتبة الشهادة التي تفوق بامتيازاتها الموت العادي الناجم عن أسباب طبيعية.
فمن يتمّ تدريب دماغه على قبول خسارة الأحبة والأمان والمكان، من دون التعامل مع هذه الخسارة بما تفرضه المشاعر الإنسانية الفطرية والتلقائية من غضب وعويل وانتحاب ويأس وقهر، يمكن أيضًا غسل هذا الدماغ بحيث يؤمن بأن أي انخراط في حروب المنطقة أو تشكيل شبكات تجسّس أو اغتيالات هو واجب ديني لا جدال فيه.
وفي هذا المقام يتمّ إدراج تخوين شركاء في الوطن يرفضون مغامرة الحرب تلبية للمصلحة الإيرانية، والأهم تخوين رئيسَي الجمهورية والحكومة لتبرير رفض "الحزب" تولّي الدولة اللبنانية ملف المفاوضات وانتزاعه من إيران، مع تزوير مؤامرات بوقائع يرتكبها الرئيسان، تلبية للمصلحة الإسرائيلية، وتحميلهما وزر كل دم "شيعي" يُراق، فقط لرفع مسؤولية هذا الدم عن "الحزب" ومشغّله، بمعزل عن واجبه بحماية أبناء البيئة، فكيف بحماية بلد لا وجود له على الأجندة الممانعة.
وتحت وطأة هذه التناقضات، تتمزّق البيئة الشيعية، حاضنة كانت أم لا، بين عدو يجيد فعل الإبادة ليستولي على الأرض، وبين شريك في الوطن بات بدوره عدوًا لأنه لا يريد الانخراط في الأجندة الإيرانية، ويرفض الاستمرار بمصادرة سيادته وتقرير مصيره لمصلحة مشروع تخريبي تدميري، وبين مرجعية حاضرة إما لتقديم مزيد من الأضحية والانتشاء بالشهادة، وإما لتكفير وتخوين من ينتفض على البقاء شهيدًا أو نازحًا… إلى ما شاء أصحاب المشروع.
